المقالات

حكوماتُ القَهرِ.. و.. الإستراتيجياتِ العَشرِ..

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم : أ.د.ضياء واجد المهندس

لم يكن مايدور في عراقنا من ظلم وقهر و جور وليد صدفة أو أحداث عبثية، بل تخطيط منذ عشرات السنين، لأنَّ العراق مركز العقائد، و مخزن الفوائد، و طريق المختصرات، و منجم الثروات و مصدر الطاقات…
ولكي يتم انتهاج سياسة التدمير، و الرضوخ للسيطرة، إبتكر الأمريكان و الإسرائيليون و الأوروبيون استراتيجيات السيطرة و الإستحواذ..
فى تسعينيَّات القرن الماضي، نشرَ المفكِّرُ وعالم اللغويات الأمريكي نعوم تشومسكي مقالةً بالغةَ الأهميةِ بعنوان “استراتيجيات التحكُّم والتوجيه العشر” ..
وقد طرح تشومسكي في هذه المقالة عشرَ استراتيجيات بالغة الذكاء تعتمدها دوائر النفوذ في العالم و بدعم مخابراتي، عبر وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي، من أجل التلاعب بجموع الناس، وتوجيه سلوكهم، والسيطرة على أفكارهم و أفعالهم .. وقد كتب تشومسكي هذه المقالة اعتمادًا على وثيقةٍ سريةٍ للغايةِ يعودُ تأريخها إلى عام (1979).. حصل عليها في عام 1986، وتحملُ عنوانًا مثيرًا هو “الأسلحة الصامتة لخوض حروب هادئة” ( Silent Weapons for Quiet Wars) .. كانت الوثيقة عبارة عن كُتَيبٍ أو دليلٍ إرشاديٍّ لتدجينِ البشرِ، والتحكُّمِ في المجتمعات، والسيطرة على الشعوب.. كتبه بعض كبار الساسة، والرأسماليين، و رجال المخابرات، والخبراء فى مختلف المجالات.. و ليس غريبًا أن تكونَ هذه الوثيقة السرية مشابهة ب (بروتوكولات حكماء صهيون).
وطريقة العثور عليها تُثيرُ الكثيرَ من التساؤلاتِ.. مثل تلك التي أثارها نشر البروتوكولات.. فإنَّ فيها كذلك الكثير من الخطط الخطيرة التى تكشف أنَّ مَن أعدَّها لم يكُن أقلَّ خبثًا ممَّن أعدَّ البروتوكولات.. والإستراتيجيات العشر للتحكُّمِ فى الشعوب التي وضعها تشومسكي بناءً على تلك الوثيقة، هي:

أوَّلًا – إستراتيجية الإلهاء:
تمثِّلُ هذه الإستراتيجية وظيفة وسائل الإعلام في(إلهاء الشعب) عن الوصول إلى معلومات صحيحة حول التغيُّرات والقضايا المهمِّة التى تقررها النخب والكفاءات السياسية والإقتصادية و الإجتماعية، عن طريق إغراق الناس بسيل متواصل من وسائل الترفيه و التسلية في مقابل نقص المعلومات ونُدرتها..
كتب تشومسكي يقول: “حافظوا على اهتمام الرأي العام بعيدًا عن المشاكل الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية الحقيقية، بل اجعلوهُ مفتونًا بمسائل لا أهمية حقيقية لها.. بحيث يبقى الجمهورُ مشغولًا و لا وقتَ لديه للتفكير .. إجعلوه مثلَ قطيعِ الغنمِ أو الخنازير، وعليه العودة إلى الحظيرة مع غيره من الحيوانات”..

ثانيًا – إستراتيجية التأزيم..
حيثُ يتمُّ افتعال المشاكل وتقديم الحلول. وتبدأ هذه الإستراتيجية بإيجادِ مشكلةٍ ما بحيث تُصبِحُ حديث الناس فى المجتمع عن طريق الإعلام و وسائل التواصل الإجتماعي، حتى يندفعَ الشعبُ ليطلبَ حلًّا لها.. من الضروري، ترك الإنفلات الأمني يتزايد، أو السماح بوقوع عمليات إرهابية، حتى يُطالِبَ الشعبُ بقوانينَ أمنيةٍ مشدَّدةٍ على حساب حريته. أو إيجاد أزمات اقتصادية يُصبحُ الخروج منها مشروطًا بقبول الحدِّ الأدنى من الحقوق الاجتماعية. ويتمُّ طرح تلك الحلول الموضوعة مسبقًا ومن ثَمَّ قَبولها.. على أنها شرٌّ لا بدَّ منه ..

ثالثًا – إستراتيجية التدرُّج:
فلِضمانِ قَبول ما لا يمكن قبوله.. يكفي أن يتمَّ تطبيقه تدريجيًّا على مدى زمنيٍّ طويلٍ.. وبهذه الطريقة فُرضت ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة شكَّلت تحوُّلاتٍ جذريةً فى المجتمعات الغربية .. مثل الليبرالية الجديدة بين الثمانينيات والتسعينيات.. وما رافقها من زيادةٍ رهيبةٍ في معدلات البطالة، ورواتب ضعيفة لا تضمن الحياة الكريمة للأفراد، وهشاشة فى البنية التحتية للمجتمع. فالكثير من التغيرات إذا ما طُبِّقَت بشكلٍ فوريٍّ وفُجائيٍّ، تدفع لحدوث ثورة شعبية عارمة. لذلك يتم تمريرها تدريجيًّا، وعلى مراحل، وعلى مدى سنوات عديدة وهي أشبه بسياسة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر) في الشرق الأوسط، في منتصف السبعينيَّات (سياسة الخطوة خطوة)، بحيث يتكيَّفُ المواطن مع التغيرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية ولا يثور..

رابعًا – إستراتيجية التأجيل و التأخير:

عندما ترغب الحكومات في تمرير قرارات أو برامج
لا تحظى بشعبية كبيرة، فإنها تسعى عن طريق تقديمه باعتباره “دواء مؤلم ولكن ضروري، أو ما يعرف (خيار الضرورة مع الخطورة)، ويكون ذلك بكسب موافقة الشعب فى الحاضر على تطبيق آليات، و برامج، و موازنات ممكن أن تُطبَّقَ فى المستقبل، وذلك لأنه من الأسهل دائمًا قبول القيام بالتضحية فى المستقبل عوضًا عن التضحية في الحاضر .
١ – لأنَّ المجهود لن يتمَّ بذله في الوقت الحاضر ..
٢- لأنَّ الشعبَ يميل إلى الإعتقاد بسذاجة أنَّ كلَّ شيءٍ سيكون أفضل فى الغدِ.. وأنه سيكون بإمكانه تفادي التضحية المطلوبة في المستقبل..
٣- فإنَّ الوقتَ سيسمح للشعب أن يعتادَ فكرةَ التغييرِ ويقبلها طائعًا مستسلمًا عندما يحين أوانها..

خامسًا – إستراتيجية التضليل و التحجيم ..
يتمُّ مخاطَبة أفراد الشعب كما لو كانوا (سُذَّجًا) أو أطفالًا صغارًا:
فلتضليل الشعب، لابدَّ من استعمال لغة ذات طابعٍ طفوليٍّ فى الخطاب الإعلامي، وكأنَّ المواطنَ طفلٌ صغيرُ أو يعاني إعاقة عقلية. وهكذا يكون ردُّ فِعْلِ البالغينَ كردِّ فِعْلِ الأطفال الصغار. لأنَّ وسائل الإعلام غرست فيهم ذلك.. كتب تشومسكي يقول: “إذا خاطبنا شخصًا كما لو كان طفلًا فى سنِّ الثانية عشر، فستكون لدى هذا الشخص إجابة أو ردَّة فِعل مجردة من الحسِّ النقديِّ بنفس الدرجة التى ستكون عليها إجابة أو ردَّة فِعل الطفل ذي الإثنى عشر عامًا..

سادسًا – إستراتيجية التغييب، أو استثارة العاطفة بدلًا من استخدام العقل:
إنَّ الأمر الذي لا شكَّ فيه هو أنَّ العاطفة تتغلَّب على العقل فى كثير من الأحيان، عند كثير من البشر.. وهذا ما تستفيد منه وسائل الإعلام من خلال أسلوبها الكلاسيكي فى استعمال سلاح العاطفة لتعطيل التحليل المنطقي.. وبالتالي الحسِّ النقدي للأفراد.. وذلك من خلال التحدُّث والاختلاف في العقائد أو العادات أو التقاليد التى يمتلك الناس التزامًا عميقًا تُجاهها، فيدخل الأفراد فى حالة من اللَّا وعي وعدم التفكير إذا ما تمَّ التعدي على أيٍّ من هذه المعتقدات بدرجة تثير عندهم المخاوف و الإنفعالات، وتشكِّلُ هذه الاستراتيجية بوابةً للطائفيةِ..

سابعًا – إستراتيجية التجهيل:
تعتمد هذه الإستراتيجية على
إبقاء الشعب في حالةٍ دائمةٍ من الجهلِ والضَّعفِ، و عليه يبقى الشعب غير قادر على فهم العلوم المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة، من أجل السيطرة عليه واستعباده.. وتبدأ هذه الإستراتيجية من نوعية التعليم التي تقدِّمها المدارس الحكومية والتي يتعلَّمُ فيها أبناء الطبقة العامة و إدخال التعليم الأهلي الرَّكيك. فيجب أن تكونَ نوعية التعليم الذى يتوفر لعوامِّ التاسِ سطحيًّا وسيِّئًا، بحيث تحافظ على الفجوة التي تفصل بين العالَم و بين البلد، وبين النُّخبةِ و عَوامِّ الناسِ.. وأن تبقى مستويات التعليم خارج التصانيف، و أسباب الفجوة في المستويات مجهولة وغير مفهومة من قبل عوامِّ الناسِ..

ثامنًا – إستراتيجية الخضوع و الخنوع:
و ترتكزُ الإستراتيجية على تشجيع الشعب على الرضا بالمتوسط. بحيث يتم تشجيع الجمهور على أن ينظر بعين الرضا إلى كونه جاهلًا وغبيًّا ومُبتَذلًا.. وهنا تلعب وسائل الإعلام دورًا كبيرًا في قَبول الجمهور بقرارات الحكومة و الخضوع لها حتى لو تحقِّق ضررًا عليها..

تاسعًا- إستراتيجية التشويه و التسقيطِ..
تُبيحُ هذه الإستراتيجية إشاعة تسقيط القِيَم و المعتقدات و الرموز لكي يفقدَ المجتمعُ مراجعَهُ الدينية و الإجتماعية و السياسية.. و يمتدُّ الإعلامُ في سطوته إلى تدمير الروابط والتقاليد الأسرية و تشويه المفاهيم العائلية والأعراف و العادات..

عاشرًا- إستراتيجية التِّيهِ..
تُعَدُّ هذه الإستراتيجية بوسائل وموجات الدعاية والإعلان لقَبول قيادات و إدارات جاهلة تقود المجتمع بشكلٍ عشوائيٍّ، و تعيد الجمهور إلى النظم القبلية و العشائرية، و تُقيِّدُ دورَ العلماءِ و النُّخَبِ و تحدُّ من دور الكفاءات في السلطة، و تثقِّفُ المجتمعَ على تقبُّلِ الجهلاء و الفاسدين في إدارة السلطة مع التوافق على تعايش أفراد المجتمع مع التلاعب و التزوير و المحسوبية (ثقافة الفساد)..

والخلاصة ..
إنها
إستراتيجيَّات تدمير البلاد و تحطيم العباد و نشر الفساد..
و إنها
إستراتيجيَّات تفسيد المعتقدات و تلويث القَيَم و العادات و العلاقات و الأخلاقيِّات..

اللهمَّ اهدِنا الطريقَ القويمَ..
واجعَلنا إلى الصِّراطِ المستقيمِ..

البروفسور د.ضياء واجد المهندس
مجلس الخبراء العراقي

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى