مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

هل سيدخل الاقتصاد العالمي مرحلة الانكماش الكبير

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم : د. ايناس عبد الهادي الربيعي

لا يزال الجميع حول العالم مرتبك وخائف بتوقعات غير مؤكدة في احسن الاحوال هل نحن في طريقنا الى كساد عالمي بفترة من البؤس الاقتصادي والتي قد لم يعايشها الا عدد قليل من الاحياء في عصرنا الحالي فعلى الرغم من ان العديد من الدول باتت لديها شبكات ضمان اجتماعي لم تكن موجودة منذ تسع عقود وهو امر صحيح وواقع حال حتى بالنسبة للدول النامية ،ومع تقبل الحكومات حول العالم للترابط الاقتصادي بين الدول والذي اوجدته عقود من عولمة التجارة والاستثمار الا ان توقعات الانتعاش الاقتصادي وعودة الامور الى سابق عهدها او حتى انتعاش سلس وثابت على المدى الطويل هو سيناريو يقدمه ثلة من السياسيين حول العالم ما هو الا تعبير لما يمكننا القول عنه بدايات العاصفة ، فعند العودة الى عقد من الزمان عقب الازمة المالية العالمية نجد ان الكساد الاقتصادي الحقيقي هو مجرد ركود يتغلغل بشكل عميق في سبل الحياة لتظل آثاره السيئة مستمرة اطول فترة على الرغم من ان الكساد ليس وضعا يمكن وصفه بالمستمر لإمكانية وجود فترات تتخللها مراحل انتعاش مؤقت الا ان هناك عوامل ثلاث تفصل الكساد الحقيقي عن مجرد الركود وهي تأثيره العالمي وتغلغله في أوليات الحياة وبقاء الاثار السيئة الناتجة عنه لفترات طويلة ، الا انه لا يمكننا انكار ان فترات الكساد الاقتصادي ان الازمات التي مرت بالاقتصاد العالمي عام 1929 وانهيار سوق الاسهم حينها استمرت حتى اوائل الاربعينات ليتكون الحرب العالمية الثانية أساسا لنمو جديد سبقه فترتين من الركود الاقتصادي الاولى من عام 1929 ولغاية 1933 والثانية من عام 1937 ولغاية 1938 وهو المتوقع حاليا للاقتصاد العالمي ولا سيما بعد فترة من الركود التي طالت جميع مرافق الحياة لسنتين مضت اثر انتشار فيروس كورونا حول العالم وشبه تعطل تام لجميع مرافق الحياة حول العالم ادت لتغيرات عامة في جميع الانشطة مع تزايد الطلب على الانظمة الصحية وما تقدمه من خدمات حيث كافحت دول عدة ولا سيما في البلدان الفقيرة والتي بدأت بالانهيار فعلا تحت طائلة انتشار الوباء بخسائر بشرية وعدم القدرة على سداد الديون وما ينتج عنها من اعباء امر بالنتيجة سوف يضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله ، فانخفاض عدد الوظائف وقفز معدل البطالة حول العالم هو الاعلى منذ الكساد الكبير في القرن الماضي وبغض النظر عن المشكلة التي يمكن عدها بالفريدة ان يرتفع معدل البطالة خلال جائحة كأمر يتكرر مرة كل قرن  الا ان ذلك نجده يترافق مع علامات تحذيرية اكثر اهمية فألى اي مدى يمكن للحكومات الاستمرار بنهج الضمان الاجتماعي دون اللجوء الى اجراء تغيرات في ناتجها الاقتصادي حيث ان اجراءات الطوارئ لن تكون كافية لفترة طويلة لإعادة الاقتصاد العالمي والمحلي الى حالته ، الا ان انحسار اثر الجائحة وبدء الاقتصاد العالمي بالتعافي امر لم يستمر طويلا بعد اندلاع الحرب في اوكرانيا التي تسببت في ارتفاع معدلات التضخم العالمي الى جانب الاضرار الناتجة عن فيروس كورونا وهو ما ينبأ بفترة عصيبة تمر على الاقتصاد العالمي قد تكون طويلة نسبيا بسبب النمو الضعيف والتضخم المرتفع وهو ما يزيد من مخاطر الركود التضخمي بأثار وخيمة محتملة الضرر على الاقتصادات المتوسطة والمنخفضة على حد سواء مع توقعات بتراجع النمو العالمي بنسب تتأرجح بذات الوتيرة خلال الاعوام (2023-2024) حيث تسببت الحرب في اوكرانيا في تعطيل النشاط الاقتصادي والاستثمار والتجارة العالمية الامر الذي قد ينتج عنه انهاء العمل بالسياسات المالية والنقدية التيسيرية حول العالم نتيجة اضرار نتجت عن الجائحة والحرب بأثار امتدت لتطال جميع دول العالم بلا استثناء حيث وفقا لتوقعات البنك الدولي سيظل نصيب الفرد من الدخل في الاقتصادات النامية منخفضا بمعدل (5%) عن ما كان سائدا قبل تفشي الجائحة وهو ما يمكن ان نعده ضربات قاسمة للنمو العالمي مع استمرار الحرب في اوكرانيا وعودة تفشي الجائحة حول العالم وظهور اوبئة جديدة على الساحة بالتزامن مع الموجود وهو ما سيوجد صعوبات عديدة على بلدان عدة لتجنب مخاطر الركود واستئناف العمل من جديد وهو ما يظهر ضرورة تشجيع الانتاج وتجنب فرض القيود التجارية مع اجراء تغيرات على السياسات المالية والنقدية والمناخية وسياسية الديون لمجابهة سوء تخصيص المال وعدم المساواة للحيلولة دون ان يأثر الوضع الراهن على اقتصادات الاسواق الصاعدة والاقتصادات النامية والتي يتعين عليها الموازنة بين الحاجة الى الموازنة والحاجة الى ضمان الاستدامة المالية العامة من جهة والعمل على التخفيف من اثار لازمات المتداخلة الحالية على اشد مواطنيها فقرا لكبح جماح التضخم ، ومع ذلك لا يمكننا القول ان المرحلة الحالية تشبه الازمات السابقة وذلك لأسباب عدة منها انخفاض نسبة الزيادة في اسعار السلع الاولية مع قوة الميزانيات العامة للمؤسسات المالية الكبرى حول العالم حيث باتت البنوك المركزية الان تكيفات واضحة تعمل على استقرار الاسعار وهو ما يتأكد لنا بالعودة لثلاث عقود مضت حيث نجد ان تلك المؤسسات المالية قد سجلت اداء قويا وموثوقا في الوصول الى اهدافها المتعلقة بعلاج التضخم والحد من أثاره، الا ان ما لا يمكن انكاره ان تراجع التضخم العالمي لن يمثل النهاية بل على الارجح ان يظل مؤثرا وبشكل رئيسي على النشاط الاقتصادي العالمي مع ازمات مالية ستظل تلقي بأثارها على بعض الاقتصادات النامية وهو ما يظهر الحاجة الى اتخاذ اجراءات حاسمة على صعيد السياسات الوطنية والعالمية على حد سواء لتجنب اسوأ العواقب ولا سيما في ظل استمرار الحرب في اوكرانيا والتي القت بظلالها على الاقتصاد العالمي سواء في نطاق امدادات الطاقة او في نطاق ارتفاع اسعار المواد الغذائية وهو ما يتطلب جهدا عالميا للحد من تلك الاثار على المتضررين جرائها.

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى