التقارير

مئذنة سامراء (الملوية)

المصور : مرتضى الموسوي

مئذنة سامراء (الملوية)

مئذنة تناطح السحاب علوا وشموخا ولطالما صدحت بــ (الله أكبر الله اكبر) لتعلن نداء السماء وتدعوا عباد الله للقاء خالقهم تلك هي مئذنة سامراء او كما تعرف الان بالملوية.

فما قصة بناء الملوية ومن بناها وما الذي نعرفها عنها؟

بعد ان كانت بغداد عاصمة للدولة العباسية وكان من اخبارها ما كان من انتشار صيتها وجمال عمرانها، أصبحت بين ليلة وضحاها قد ضاقت باهلها وبجندها الاتراك الذين ادخلهم المعتصم ليحلوا محل الخراسانيين، فأمتعض اهل بغداد من كثرة تواجدهم وسوء خلقهم وتصرفاتهم مما جعل المعتصم يفكر بإخراجهم من بغداد خوفا من نقمة أهلها وثورتهم عليه، واستقر الحال فيه في سر من رأى حيث أصبحت عاصمته الجديدة وباشر ببنائها ونقل الجند لها، ومن جملة ما بناه المعتصم الجامع الاول ولقد شيَّد المعتصم الجامع الأول في سنة (221هـ – 836م) وخط حوله الأسواق والمحال للحرفيين وقد استعمل هذا الجامع الأول لأداء فريضة الصلاة وصلاة الجمعة .

استمر هذا الجمع في إقامة الصلاة الى ان تولى المتوكل العباسي الحكم في سنة (232هـ -846م)، حيث ازداد عداد المصلين ولم يعد الجامع الأول الذي بناه المعتصم يتسع للمصلين فأمر المتوكل، ببناء (المسجد الجامع) الشهير في الجزء الغربي من العاصمة الجديدة للخلافة العباسية (سامراء)، هذا الجامع الذي درجت تسميته بالمسجد الكبير والذي يُعد من أكبر مساجد العالم الاسلامي قاطبة، اذ بلغت مساحته حوالي 45 ألف متر مربع، وكان يتسع لحوالي 100 ألف مصلي. لقد اُتقن بناءه واُحكم تشييده بالآجر والجص وازدان بالنقوش والمحاريب والاقواس والاعمدة، اذ كانت تحمل سقفه الرئيسي حوالي 488 عمودا من الرخام، ودعمت جدرانه الخارجية المتينة ابراج ضخمة نصف دائرية عددها 68 برجا، ويبلغ ارتفاع جدران المسجد 10.5 مترا وسمكها 2 متر.

وقد تميز هذا المسجد بمئذنته الفريدة ذات الشكل الحلزوني والتي بسببها أصبح واحدا من أشهر مساجد العالم واكثرها تميزا، فالبناء المعروف اليوم باسم الملوية هو مئذنة (منارة) لهذا المسجد، وسميت بالملوية بسبب شكلها الحلزوني الدائري.

تعتبر المئذنة الملوية في سامراء من اهم مآذن العالم الاسلامي واكثرها فرادة وتميزا من الناحية المعمارية والبنائية، وهي تقع امام الحائط الشمالي من المسجد على بعد 27,25 مترا منه، هذه المئذنة تقوم على قاعدة مربعة مؤلفة من طبقتين، الاولى طول ضلعها 31,30 متر، وارتفاعها2,50 مترا، والثانية مستطيلة بعض الشئ بأبعاد 30,60 x 30,40 مترا وارتفاعها 1,70 مترا، فيكون ارتفاع القاعدة الكلي هو 4,20 مترا.

وتزين واجهات القاعدة محاريب مستطيلة (تجاويف اشبه بالنوافذ، غائرة وغير نافذة) وتعلو هذه المحاريب عقود او اقواس مدببة، اما عدد هذه المحاريب فهو تسعة في كل ضلع عدا الضلع الجنوبي اذ يحتوي ستة محاريب فقط بسبب وجود سلم الملوية في هذا الجانب.

اما القسم الحلزوني اي بدن الملوية فهو بناء مؤلف من خمس طبقات تتناقص مساحتها كلما ارتفع البناء، ولكل طبقة ارتفاع معين، فالطبقة الاولى السفلى يبلغ ارتفاعها 10,10 متر والثانية 8,12 متر والثالثة 8,83 متر والرابعة 8,10 متر، والطبقة الاخيرة ارتفاعها 8,45 متر.

في قمة المئذنة يوجد قبة اسطوانية الشكل يبلغ قطرها ثلاثة أمتار وارتفاعها 6,40 متر، وهي مسقفة وفيها ثمانية ثقوب يعتقد انها كانت مواضع لثمانية اعمدة خشبية صممت لحمل سقيفة القبة. وهذه القمة او القبة يتم الارتقاء اليها بواسطة سلم شديد الانحدار مؤلف من 22 درجة (باية)، حيث يرتقيها المؤذن ليرفع الآذان من قمة هذه المئذنة الملوية ليصل صوته الى ابعد نقطة ممكنة من المدينة.

بني سلم الملوية من الاجر بعرض 2,50 متر، ويبدأ من وسط الجانب الجنوبي للمئذنة ويدور صاعدا الى الاعلى بعكس اتجاه عقرب الساعة، وكلما ارتفع السلم ضاقت مساحته وازداد انحداره، اذ يبلغ عرض السلم في قمة الملوية حوالي 1,90 متر. اما عدد درجات سلم الملوية فيبلغ 399 درجة. ويعتقد عالم الاثار (هرتسفيلد) ان السلم كان له سياج خشبي وذلك لوجود ثقوب على الجانب الخارجي منه لتثبيت قوائم ذلك السياج.

المئذنة الملوية بنيت بالآجر المشوي مادة البناء السائدة في بلاد الرافدين، اما المادة الرابطة فهي الجص، وقد بني المسجد الكبير بنفس هذه المواد ايضا.

يعتقد بعض الآثاريين ان طراز بناء الملوية مشتق من طراز بناء الزقورات العراقية من ناحية كونها مؤلفة من طبقات متعددة ترتفع فوق بعضها بمساحات تقل مع الارتفاع، الا ان باحثين آخرين يعتبرون ان طراز وشكل الملوية هو بناء فريد ليس له نظير في جميع الابنية قديمها وحديثها.

وقد لا يعلم البعض بوجود مئذنة ملوية اخرى في مدينة سامراء ليس بعيدا عن المئذنة الام ، الا ان تلك المئذنة اصغر حجما واقل ارتفاعا ، وهي مئذنة جامع ابي دلف الشهير الذي بناه المتوكل ايضا ، ويعتبر من المساجد الكبيرة ايضا في العراق والعالم الاسلامي ، اذ تبلغ مساحته حوالي 12 دونما (حوالي 3700 متر مربع) ، والمئذنة الملوية لهذا المسجد يبلغ ارتفاعها حتى القمة المتهدمة نحو 19 مترا ، وفي حين ان الملوية الام تتألف من خمس طبقات فأن الملوية الصغرى تتألف من ثلاث طبقات فقط ، والسلم يدور صاعدا باتجاه معاكس لعقارب الساعة ايضا .

وكان البدء ببناء المسجد الجامع بسامرَّاء في سنة (234هـ=848م)، والانتهاء منه في سنة (237هـ=852م). وبلغت النفقة عَلَيْهِ ثلاثمَائة ألف وثمَانية آلاف ومَائتين واثني عشر دينارًا وربع وسدس دينار.

تعرضت الملوية الى ضرر كبير وذلك في سنة 1954 بسبب فيضان نهر دجلة المشهور وقد وصل منسوب المياه الى درجة ان بغداد غرقت ووصلت المياه الى سامراء وبسبب قوة السيول فقد تهدم جزء كبير من جدران المسجد الكبير وبقي حال الجامع على ما هو عليه الى سنة 1982 حيث تم إعادة ترميم الجامع بشكل صغير.

الحق الجامع الكبير ومأذنة الملوية لأثار مدينة سامراء وان مدينة سامراء تم ادراجها ضمن قائمة المدن التراثية العالمية في سنة 2007 وبذلك فأن الجامع والملوية هي من الاثار العالمية المسجلة لدى منظمة اليونسكو.

تُعتبر ملوية سامراء من أشهر الابنية على مستوى العالم بسبب هندستها وطرازها الفريد، ويسميها بعض الغربيون – برج بابل – او انهم يتخيلون ان برج بابل الشهير كان على غرارها. وقد استوحى بعض المعماريين من شكل الملوية تصاميمهم ومبانيهم الحديثة في العالمين العربي والغربي.

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى