مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

مصطلحات حوزويّة

الألقاب المتعارف عليها في الأوساط العلميّة الحوزويّة مشهورة لدى الأعمّ الأغلب من النّاس لكن لا يبدو أنّهم على معرفة بما تعني هذه الألقاب وعلى ماذا تدلّ. ولهذا، ترى المتنطّعين على الحوزات العلميّة وعلى العلم يسرحون ويمرحون في أوساط عامّة النّاس ويسطّرون أمام اسمائهم سلسلة من الألقاب بلا رادع ولا وازع ولا خوف بل ولا حياء.
في الواقع، لا يوجد في الإسلام شئ من تلكم الألقاب الّتي سأشير إلى أغلبها بعد قليل وأحاول شرحها حسب المتعارف. في الكتاب الكريم والسُنّة الشّريفة توجد مصطلحات “رواة أحاديثنا” و”فقيه” ومشتقاتهما. إنّ جميع الألقاب الحوزويّة المتعارف عليها اليوم هي مستحدثة وغالباً ولدت وبرزت في عصر الغيبة وتكاثرت وتعاظمت في القرن أو القرنَين الأخيرَين أغلب الظّن.
وعلى أيّ حال، فالمرجو والمعوّل على سائر المؤمنين التّنبه وثمّ تحرّي الدّقة قدر الإمكان في استخدام هذه المصطلحات وعدم نثرها على هذا وذاك حتّى وإن طُلب منهم! نعم، إنّ البعض يطلب بحقّ وبغير حقّ. فالادّعاء يحتاج إلى دليل وحجّة وبرهان. ووصف الشّئ بلا وجه حقّ ليس من الحقّ شيئاً، وهناك يقع المؤمن في محذور شرعي. وقد يكون من الإنصاف حقّ الإنصاف وصف الشّئ كما يستحقّ فيمنح العالِم الدّيني أكثر من لقب في آن واحد لاستحقاقه جميعها فيقال مثلاً سماحة العلّامة البحّاثة المحقّق آية الله… وإلخ.
أدناه بعض الألقاب الشّهيرة ومداليلها حسب المتعارف عليه في الأوساط الحوزويّة وبما انتهى إليه فهمي وظنّي من المعايشة والمخالطة منذ نعومة الأظفار وحتى أيّام التّتلمذ، وأعتذر سلفاً إن كان هناك شئ من التّسامح ببعض التعابير والعبائر. وسأبدأ بها حسبما اصطلح عليها من الأدنى فالأعلى:
سماحة: لقب تشريفي يلوح معه الاحترام والوقار لأيّ طلبة ومنتمٍ للحوزة العلميّة، ويدلّ على خفض الجناح للمؤمنين بسعة الصّدر والسّماحة والأبوية والرّعاية للمؤمنين.
مروّج الأحكام: لقب قديم قلّما يستعمل اليوم ويراد به طالب العلوم الدّينيّة الّذي يقتصر عمله التّبليغي على نشر وشرح المسائل الفقهيّة والأحكام الشّرعيّة لا أكثر.
خطيب: لقب تارة يكون وظيفيّاً وتارة يكون وصفيّاً. أما الوظيفيّ فهو يخصّ أئمّة الجوامع والمساجد، فيقال خطيب وإمام مسجد كذا وجامع كذا. أمّا الوصفيّ فهو عادة ما يوصف به، وأحياناً يلقّب به النّاعي الحسينيّ الّذي يتشرّف باعتلاء المنبر الحسيني فيخطب بالنّاس ويوعظهم ثمّ يعرّج أخيراً على ذكر شئ من مصائب العترة الطّاهرة لا سيّما أبي عبد الله الحسين الشّهيد بكربلاء. وقد يكون الخطيب ناعية فقط، وقد يكون عالِم دين فطحل بل وقد يكون فقيهاً مجتهداً.
إمام: لقب وظيفيّ أكثر ممّا هو لقب يدلّ على مكانة علميّة محدّدة. لقد سبق القرآن الكريم بمنح وسام الإمامة لإبراهيم (عليه السَّلام) بعد أن كان نبيّاً، قال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. وهكذا لخلفاء النّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) يقال لهم الأئمّة الإثني عشر بمعنى أئمّة الدّين والمسلمين، فهو موقع قيادي. وانسحب مصطلح “إمام” على من يؤمّ المصلّين في المساجد والجوامع والمصلَّيات. فهو مصطلح فضفاض يتأرجح بين نبيّ مرسل وحتّى أبسط المؤمنين المؤهّلين لعقد صلاة جماعة. على إنّني شخصيّاً أتوخّى استخدام هذا اللّفظ في غير الأئمّة الإثني عشر (عليهم السَّلام) حتّى أخذ على خاطره بعض أصحاب السّماحة منّي في بعض المجالس حينما أُحشر في زاوية التّعريف والتّعارف والّتي أمجّها كلّ المجّ ففيها ما فيها من المجاملات الّتي قد تتجاوز الواقع حتّى قد تبلغ مستوى قضيّة شرعيّة.
علّامة: لقب كان يُستخدم بدقّة أكثر في غابر الزّمان، وكان يوصف به كبار الفقهاء والعلماء، إلّا أنّه أصبح أقلّ أهميّة في هذه العصور فصاروا يطلقونه تسامحاً على أغلب طلبة العلوم الدّينية حتّى ممّن هم في مراحل دون الوسطى.
فضيلة: لقب حوزوي يتحرّز أهل العلم من اللّفظ به إلّا لطلبة علوم دينيّة متقدّم في دروسه وأبحاثه ومجدٍّ ومثابر في تحصيله وتتبّعه. فإن قيل فلانٌ فاضلٌ أو صاحب فضيلة، فهم يعنون اللّفظ بالحدّ التّام.
حجّة الإسلام: وإن كان يستخدم اليوم للتّفخيم والمجاملات بكثرة، إلّا أنّه لقب يحمل في طيّاته الكثير. فلا يستحقّ هذا اللّقب إلّا من حاز درجةً من العلم والفضل ليكون كلامه حقّاً حجّة يُحتجّ به، وأنّى له من مقام!
حجّة الإسلام والمسلمين: هو حجّة الإسلام بامتياز آخر، وهو من لا يكون كلامه حُجّة يُحتجّ به على صعيده الشّخصي كعالم دين مختصّ فحسب إنّما يعبّر عن قناعة مَن خلفه مِن أهل العلم والفضل وجمع المسلمين. فهو حجّة عنهم جميعاً عن الدّين وعن أهل الدّين حينما يتصدّى ويصدع بما يفرض عليه تكليفه. فههنا مقام ومسؤوليّة عظيمَين!
فقيه/مجتهد: لقبٌ لا يقال إلّا لمن تفرّغ من سائر المراحل الدّراسيّة بجدارة عاليّة ودرّسها مراراً وكراراً مع التّمحيص والبحث والغوص في المباني الفقهيّة وما يصاحبها من تضلّع في عدّة علوم أخرى مساندة ومقوّمة حتّى بلغ درجة عليا من العلم والفضل يستقلّ بها برأيه ويكوّن فيها نظرياته ومبانيه الخاصّة به. فهو مجتهد وفقيه. ولا يظهر عليه ذلك إلّا من خلال كتاباته التّخصّصيّة أو عبر حواراته العلميّة مع أقرانه ونظرائه أو بما عرفه منه فضلاء تلامذته.
آية الله العظمى: لقب يقال عادة للفقيه المجتهد الّذي قَبِلَ رجوع النّاس إليه في أخذ الأحكام الشّرعيّة فيتصدّى للإجابة على الاستفتاءات وبيان آرائه الفقهيّة للنّاس للعمل وفقها، فيكون فقهياً مرجعاً للنّاس.
المرجع الدّيني الأعلى: لقب يقال لآية الله العظمى المتصدّي للمرجعيّة ممّن يرجع إليه أغلب المؤمنين، وعليه يكون عنوان المرجعيّة الدّينيّة للطّائفة منحصراً به بشكل وآخر. وعلى ما يبدو إنّه لقب حديث يرجع تأريخه إلى أواخر القرن الهجري المنصرم.
هذه هي أهمّ وأكثر الألقاب شهرةً وتداولاً، وإلّا فهناك الكثير غير المشهورة الّتي قد تدل على صفات دقيقة لها علاقة بالتّخصّص كما إذا قيل البحّاثة والمحقّق والثّبَت فإنّها حقّاً تدلّ على ميزة وخصوصيّة تميّز العالِم الدّيني عن غيره بالتّبحّر والتّخصّص في مجال من مجالات العلوم والأبحاث الدّينيّة الحوزويّة. والعكس صحيح أيضاً، فقد تصحب بعض الألقاب شيئاً من المبالغة والوصف الاندفاعي فيلاحظ التّفخيم بارزاً وظاهراً وحاكماً فيها ممّا مردّه وخلفيّاته تعود إلى تقاليد وعادات المجتمع القائل به والزّمان الّذي مرّ به أو إلى مواقف وصراعات ومنافسات خفيّة لا مجال لإبرازها في الوسط الحوزوي إلّا من خلال هذه الألقاب المصطنعة. على سبيل المثال ألفاظ ومصطلحات وألقاب مثل زعيم المحدّثين وأستاذ الفقهاء وكبير العلماء وشيخ المحدّثين وعماد الدّين ونصير الملّة والكهف الحصين وملاذ المجتهدين وأسوة الفقهاء وهلمّ جرّاً.
محمد باقر الرّضويّ الكشميري

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى