مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

“الاقتصاد الإسلامي” عند فقهاء الإماميّة الشّهيد السَّيّد الصّدر والسَّيّد عَلَوي بُروجردي نموذجاً

السَّيّد الصّدر: “الإسلام دين دعوة ومنهج حياة وليس من وظيفته الأصليّة ممارسة البحوث العلميّة”

السَّيّد العَلَوي: “لا يوجد اقتصاد إسلامي! الإسلام لم يأت بالعلوم إنّما أتى لنا بقِيَم.. لأتمّم مكارم الأخلاق”

توطئـــة

في الحديث عن “أسلمة العلوم” لا يلوح لي في الأفق جديدٌ يستوجب الحديث عنه، فهو هو، موجود ومبحوث، بَيد أنّ مَن تطرّق إليه بشكل منفصل قِلّة من الفقهاء والمفكّرين، ولا يتناول نتاجاتهم إلّا أهل علم واختصاص فيبقى في دائرتهم، أو أهل مطالعة ومتابعات لا سيّما أوقات الأزمات المارّة أو الفضاءات الوقتيّة الّتي تُفعّل هنا أو تخيّم هناك بين حين وآخر لحاجة وقتيّة.

كأنّما نعيش هذه الأيام سُحنةً من تلكم الأزمات المشحونة. كنتُ قد كتبتُ مقالاً بعنوان “الإسلام والعلوم” سلّطتُ الضّوء فيه على الموقف الدّيني من العلوم وفق مبنى معروف لدى كثير من الفقهاء، لكن يبدو أنّ المقال أثار نقاشاً وترك الأفكار تتلاقح تارة وتتضارب تارة أخرى، ويُحمل على غير معناه تارة ويُستغل لتوظيفه تارة أخرى بطرق رخيصة وغير أخلاقيّة حتّى صار إليّ بعض الأحبّة وآخَرون كرام طالبين المزيد ليقف كلٌّ على بيّنة من الأمر. فعزمت على بيان هذا الموضوع، لكن هذه المرّة في موضوع “الاقتصاد” تحديداً وبالاستناد إلى فطحَلَيَن من فطاحل الفقه والفكر ممّن لا نقاش في مكانتهما العلميّة والفكرية، راجياً الله تعالى أن يجعلها مفيدة ومثمرة لمن يجنح للفائدة ويسعى للثّمرة مطالعةً وبحثاً وتنقيباً ومناقشةً هادئةً كما يعلّمنا العلماء الأتقياء تيمّناً بقوله تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. فالمقال هذا إذن هو تتمّة وإيضاح لما مضى لتتّضح الصّورة ويُجلى الغبار ولا يهدف إلى تصويب هذا وتخطئة ذاك بقدر ما يهدف لبيان المسألة محلّ البحث وإلّا ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، ولا محكمة خير من الوجدان إذا استيقن ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ فالعلم نورٌ ولا داعي للمناورات بعد أن نهى ربّ العزّة عنها قائلاً ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

محور البحث

ذكرتُ في مقالي السّابق “الإسلام والعلوم” مسالةً تناولها كبار الفقهاء والمفكّرين مفادها أنّ الدّين عموماً، وعلى وجه الخصوص الدّين الإسلامي بنصّ قرآنه المعصوم وما صحّ من رواياته الشّريف ليس فيه ما يدلّ على أنّه دِين علمٍ من العلوم الطّبيعية كالفيزياء والاقتصاد والإدارة والسّياسة وما إلى ذلك من علوم، إنّما هو دِينُ قِيَمٍ ومبادئ ربّانية جاءت لتهذيب الإنسان والارتقاء به ليستعمر الكون ويستثمره ويتقرّب من خلاله إلى الله تعالى في رحلة الكدح والكمال ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. أمّا تلك العلوم فهي شأن بشري يمكن للإنسان برحلة تدبّر وتأمّل في الأنفس والآفاق اكتشاف القوانين الكونيّة الحاكمة والمكوّنات الجزئيّة الدّخيلة ومعرفة النّظم والشّبكات المعقّدة في الخَلْق فيسمو بعقله وفكره وما وهبه الله من إمكانيّات وقابليّات استثنائية فيكتشف أو يبدع ويخترع ما لم يكتشفه أو يبدع ويخترع فيه السّابقون، وهكذا تتطوّر الحياة وتتقدّم وتتكامل يوماً بعد آخر. ولَعَمري، إنّ هذا لا علاقة له بالدِّين أبداً ولا بكينونة هذا مؤمن وذاك غير مؤمن، إنّما هو نتيجة طبيعية لمن يعمل ويجدّ ويجتهد، وطبيعي أنّه سيحصّل ويكسب ثمّ سيسيطر ويحكم ويفرض وفقاً للسُّنن الربّانية في الكون والخَلْق والمجتمعات. فالعطاء الرّباني مفتوح للجميع ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، والثّمرة هي من حصّة العامل المجدّ ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ فردياً، وهكذا اجتماعياً:﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.  

وحينما نقول “العلوم” فنعني كلّ العلوم لا فرق إن كانت علوم طبّية، أو اقتصادية، أو إدارية، أو سياسية، أو حتّى علوم إنسانيّة كالعلوم الاجتماعية أو غيرها. ومن الطّبيعي أن يخلق هذا الكلام نقاشاً أو حسّاسيّة لدى بعض مَن يحاول “أسلمة” كلّ شئ ومنها علم الحُكم والإدارة والقيادة. فنقول لهم: رُويداً رُويدا.. فكما هو حقّ لكم أنْ تفكّروا كيفما تشاؤون فمن حقّ الآخرين أن يفكّروا كيفما يشاؤون ولا داعي للتهجّم والتّنكيل والإتّهام والتّسقيط وإذهاب المروءة بين أتباع القرآن والسّنّة الشّريفة. لا داعي لذلك أبداً. لقد مرّ الإسلام بعصور مديدة، حصل أن يكون في أفضل حالاته حين لم يكن هناك دولة أو حُكم إسلامي، كما حصل أن يكون في أسوأ حالاته والمسلمون يحكمون ويسطرون بالحديد والنّار. فما علاقة هذا بذاك؟ كثيرون أسّسوا وأقاموا أنظمة وحكومات ومماليك قامت واستمرّت برهة من الزّمن ثمّ صارت شيئاً من التّأريخ (بإمكاني تقديم قائمة بذلك) ولكن لا زال الإسلام حيّاً وأسرع الدّيانات انتشاراً حسب الإحصائيات العالمية حاليّاً. وهكذا على صعيد المذهب، فهو منذ غيبة الإمام (عليه السَّلام) وحتّى الآن في نموّ وتصاعد رغم كلّ ما واجه ويواجه من تحدّيات وصعوبات ومصائب وآلام وتقصير وقصور من خارج المذهب ومن داخله على حدّ سواء، مع التّمكنّ من الحُكم ومن دونه. بل يشهد التّأريخ أنّ الإضطهاد والعداء والإزدراء والإقصاء كان مضاعفاً أينما ظهرت ظاهرة السُلطة والحكم. العقيدة النّاصعة ومنهاج الحياة النّاصع والحجّة النّاصعة تأخذ مأخذها وتتألّق وتفرض نفسها على العقول والقلوب دون أيّة حاجة إلى قهر أو تسلّط أو استبداد. أليس حريّاً بالمنصف التّأنّي ومراجعة الذّات والتّوقف والتأمّل والأخذ بنصيحة الأخ المؤمن؟ ألم يحن الوقت لنقرّ ونعترف بأنّ هناك مشكلة حقيقة يجب الإلتفات إليها وإصلاحها بعد أن انتهينا من عصر التّنظير ودخلنا مرحلة التّنفيذ والتّطبيق وبان الخلل وانكشف المستور؟ إنّ أسلمة العلوم ومنها العلوم السّياسية والاجتماعية وعلم الإدارة والقيادة والحُكم وعلم الإقتصاد وغير ذلك من العلوم الّتي تتبنّاها أحزاب سياسيّة، سنّية أو شيعيّة، حان الآن وبجدّ أن تراجع نفسها بعد كلّ هذا التّأريخ وتلك الدّماء وذلك العطاء ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. على الأقلّ، حريٌّ بالمخلصين والمضحّين ممّن ينطلقون عن نيّات صادقة وطيّبة بتأييد دعاة أسلمة العلوم الّذين رأوهم بأمّ أعينهم كيف يقصونهم عن مواقعهم الّتي هم أَوْلى مَن يزيّنونها – لطيب نيّاتهم وسلامة قلوبهم على الأقل – أن يتحرّكوا ويغيّروا وينصحوا زملائهم بالتّغيير وإلّا فالأوان في فوات بل أمسى في الوقت بدل الضّائع.

مع السيدين المبدعين

لعلّ أنسب مَن يمكن الاستشهاد بآرائهم ونظرياتهم من الفقهاء والمفكّرين في هذا الموضوع تحديداً السَّيّدَين المبدعَين المرحوم الشّهيد السَّعيد آية الله العظمى السَّيّد محمد باقر الصّدر (قدّس سرّه) من الحوزة العلميّة في النّجف الأشرف، وسماحة آية الله العظمى السَّيّد محمّد جواد العَلَوي الطّباطبائي البُروجُردي (دام ظلّه) من الحوزة العلميّة المباركة في قم المقدّسة، معتمداً بذلك على ما جاء في كتاب “اقتصادنا” عن الأوّل، ومقابلة مرئيّة حديثة عن الثّاني، أدرجهما ذيل هذا المقال.

أمّا الأوّل، رائد الفكر الإسلامي المعاصر، السَّيّد محمّد باقر الصّدر، فإنّ المطالع الحصيف اللّبيب لكتابه – إنْ قرأه بتجرّد عن خلفيّات عاطفيّة أو عصبيّة أو إسقاطات قناعات معيّنة ومسبقة- يلمس أنّه (رحمه الله) كان يناقش النظّرية الماركسيّة من زاوية علم الاقتصاد باعتباره علماً بشرياً لا علماً إسلامياً وإن تسامحنا بالتّعبير وأسميناه “علم اقتصاد اسلامي”. فأوّلاً هو (رحمه الله) يؤكّد على حداثة هذا العلم وأنّه علم غامض كما جاء في صفحة رقم ٢٩: “وهذا العلم حديث الولادة”، وفي صفحة ٢٨ في معرض كلامه عن مفردة “اقتصادنا” يقول: “وما أعنيه بهذه الكلمة حين أُطلقها لأنّ كلمة الاقتصاد ذات تأريخ طويل في التّفكير الإنساني وقد أكسبها ذلك شيئاً من الغموض نتيجة للمعاني الّتي مرّت بها وللإزدواج في مدلوها بين الجانب العلمي من الاقتصاد والجانب المذهبي”.

ثانياً، في علاقة هذا العلم بالدّين يقول في صفحة رقم ٢٩ ما نصّه: “لا يمكن أن نتصوّر مجتمعاً دون مذهب اقتصادي، لأنّ كلّ مجتمع يمارس إنتاج الثّروة وتوزيعها لا بدّ له من طريقة يتّفق عليها في تنظيم هذه العمليّات الاقتصادية، وهذه الطّريقة… ليس اعتباطاً مطلقاً وإنّما يقوم دائماً على أساس أفكار ومفاهيم معينة ذات طابع أخلاقي أو علمي أو أي طابع آخر”. وظاهر هذا النّصّ الواضح أنّ علم الإقتصاد علم بشري يتأثّر بأفكار وأخلاق أهله ومؤسّسيه وليس علماً قرآنيّاً منزّلاً من قِبَل عليم حكيم لا يأتيه الباطل. بعبارة أخرى إن كان الاقتصاديون من المؤمنين من ذوي الأخلاق القرآنيّة فالنّتيجة الطّبيعيّة ستترجم عمليّاً بانعكاس مفاهيمهم القرآنية على منحاهم الاقتصادي حيث لا غشّ ولا سحت ولا غَرَر ولا رِبا ولا ولا فهو مذهب وطريقة ومنهج وليس علماً بالمعنى العلمي الدّقيق. هنا مكمن الخلل عند البعض حينما يظنّ أنّ هناك شيئاً اسمه “اقتصاد اسلامي” حتّى لو استخدم مجازاً كما جاء في كلامه (رحمه الله) على صفحة رقم ٣١ ما نصّه: “فنحن حين نطلق كلمة (الاقتصاد الإسلامي) لا نعني بذلك علم الاقتصاد السّياسي مباشرة لأنّ هذا العلم حديث الولادة”! فهل هناك عبارة أبلغ وأفصح من هذه؟ يقول بالحرف الواحد إنّه علم حديث الولادة، فيا دعاة أسلمة العلوم متى ولد القرآن؟ كم قرن مضى على نزوله؟ علينا أن نميّز بين “علم” وبين “مذهب ومنحى واتجاه”. علم الاقتصاد شئ ومذهب اقتصادي شئ آخر. علم التّجارة والمال والأعمال شئ، وسياسات ماليّة وتجارية شئ آخر. الإسلام لا يقدّم علماً هنا إنّما يعطي قِيَماً وأخلاقاً في التّصرّف المالي والتجاري والاقتصادي حينما يرشد بعشرات الآيات والرّوايات المؤمنين إلى التحّلي بالوسطيّة فلا سَرَف ولا بُخل، ولا اكتناز ولا تبذير، ولا احتكار ولا تسيّب في السّلع وغير ذلك من الأمثلة الّتي شرّعها وجوباً واستحباباً، أو حرمة وكراهة، أو مباحاً.

مزيداً على ذلك وتأييداً له وتأكيداً على بشريّة العلوم، راح (رحمه الله) يسهب بقلمه الرّائع لئلا يقع أحد في الشّبهة أو يتقوّل عليه قولاً لم يقله ولم يعتقد به أو لئلّا يغفل قارئ ويقرأ بخلفيّة ذهنيّة مسبقة يريدها هو لا بما يريده المؤلِّف فنصّ يراعه الفريد في صفحة رقم ٢٩ قائلاً: “فإذا درسنا المذهب الرّأسمالي القائل بالحرّية الاقتصادية كان لزاماً علينا أن نبحث الأفكار والمفاهيم الأساسية الّتي يقوم على أساسها تقديس الرّأسمالية للحرّية وإيمانها بها وهكذا الحال في أيّ دراسة مذهبيّة أخرى”. يعني، عند الشّيوعيين مثلاً يجب أن نعرف الأساس الّذي يقدّسونه فيه، وهكذا عند المسلمين يجب معرفة الأساس القِيَمي والأخلاقي الذي يقدّسونه فيه، وعلى ضوء ذلك ستظهر وتبدو معالم المذهب الاقتصادي على حركة المال. لا أنّ الإسلام هو علم اقتصاد وعلم طبّ وعلم هندسة. إنّما الإسلام برأي السَّيّد الشّهيد الصّدر بالحرف الواحد هو: “دين دعوة ومنهج حياة وليس من وظيفته الأصليّة ممارسة البحوث العلمية”. ثم يقول موضّحاً في صفحة رقم ٣١ ما نصّه: “نعني بالاقتصاد الإسلامي المذهبَ الاقتصادي الّذي تتجّسد فيه الطّريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية بما يملك هذا المذهب ويدل عليه من رصيد فكري يتألّف من أفكار الإسلام الأخلاقيّة…”، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾. بل وأكثر من هذا، أخذ (رحمه الله) ينبّه على نقاط واحدة بعد أخرى حتّى وصل إلى النّقطة الخامسة في صفحة رقم ٣٤ محذّراً وبكل صراحة ينذر: “توجد تقسيمات في الكتاب في بعض جوانب الاقتصاد الإسلامي لم ترد بصراحة في نصّ شرعي وإنّما انتزعت من مجموع الأحكام الشّرعية الواردة في المسألة ولذلك فإنّ تلك التّقسيمات تتبع في دقتها مدى انطباق تلك الأحكام الشّرعية عليها”. تمعنّوا، إنّه يقول: “لم ترد بصراحة في نصّ شرعي وإنّما انتزعت” يعني اجتهاد بشري وليس نصّ مقدّس. انتهى الاقتباس والتّعليق.

دَفْعُ دَخْل

لا أدري، قد يخفى على البعض ما أشار إليه الشّهيد الصّدر في مقدّمته وكذلك ما هو معروف لدى الأوساط العلميّة أنّه (رحمه الله) حينما ألّف كتاب “اقتصادنا” لم يكن بصدد طرح شئ اسمه “علم اقتصاد اسلامي” إنّما كان تصديّاً علميّاً فكريّاً منه لمواجهة المدّ الشّيوعي والفكر الاشتراكي وعجاج عاصفة الإلحاد الّتي اجتاحت تلكم الأيّام عامّة البلاد الإسلامية ومنها العراق. فكان من جملة مشروعه في مواجهة تلك الحملة الثّقافية العاتية كتابة ونشر سلسلة من المقالات والكتيّبات والأبحاث والكتب المعمّقة كالأسُس المنطقية للاستقراء وفلسفتنا واقتصادنا وغيرها. “اقتصادنا” على سبيل المثال كان هدفه الأوّل هو ضرب وهدم النّظرية الاشتراكية وفكر ماركس، وقد فعل (رحمه الله)، علماً أنّ كثيراً من الأسُس الاقتصادية التي نوقشت هناك قبل نحو نصف قرن أصبحت من الماضي في عالم الاقتصاد الحاضر حسبما سمعنا من بعض الخبراء المطّلعين، ولذا قد يحسن التّفتيش عن مستجدّات وإبداعات حديثة في هذا المجال على يد تلامذته مثلاً أو غيرهم تناقش وتبدع ما هو مطروح في عالم اقتصايات العصر الحاضر، فما الدّاعي للجمود على إبداعات تألقت في عصر شيوعي مضى بريقه؟

أمّا الثّاني، وهو أحد قامات الفقه والفكر المميّزة، السَّيّد العَلَوي البُروجردي (دام ظلّه) هو الآخر الّذي تصدّى لتبديد بعض الغموض الّذي يشوب هذه المسألة محلّ البحث. وقد جاء كجزء من تصدّيه هذا ما أفصح عنه في مقابلة تلفزيونية [أنظر المرفق] مبيّناً ومفصحاً عن عدد من الحقائق الّتي سيجدها المتابع مثيرة للعقول ومنبّهة للأذهان ومشجّعة دافعة للجدّ والعمل والإبداع لمن يريد بالإسلام والمسلمين تقدّماً وصلاحاً وخيراً.

وكان ممّا جاء في تلك المقابلة التلفزيونيّة الاقتباسات التّالية وحسبي الاكتفاء بها كما هي:

“البعض يتحدّث عن مدرستَين اقتصاديتَين هما الرّأسمالية والاشتراكية، ثمّ يأتي ويضع أمامهما ثالثاً وهو الإسلام. نحن لا نقبل بهذا التّقسيم وكأنّ الإسلام لديه مدرسة اقتصادية مستقّلة أمام المدارس الأخرى”.

“الإسلام قَبِلَ المِلْكيّة وقَبِلَ الاقتصاد على أساس السّيرة العقلائيّة، وهي قاعدة كانت سارية قبل الإسلام. نعم أتى الإسلام فحرّم الرّبا، وهذّب المعاملات لكنّه أقرّ سائر معاملات النّاس القائمة والسّائدة.. كلّنا يعلم أنّ النّبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) تاجَرَ بأموال خديجة قبل الإسلام، فكيف كان يتعامل تجاريّاً؟ كان حسب مبنى السّيرة العقلائيّة الّتي أقرّتها الحنيفيّة الإبراهيميّة الّتي كانوا يتعبدون بها”.

“قلتها مرّة وأقولها وأنا بها زعيم! إنّ من بين آلاف الرّوايات في مختلف أبواب المكاسب والمتاجر لا يوجد بينها سوى نحو عشرين حكما ًإنشائياً مولوياًّ بينما الباقي كلّه إرشادي بحت، الباقي كلّها إرشاد إلى السّيرة العقلائيّة. وهكذا الحال في النّهي، فمثلاً المنع عن الغِش والغَرَر هو إرشادي أيضاً لأن العقل يذمّه ولا يحتاج إلى حكم مولوي لبيان قبحه”.

“إذا كنّا ندّعي وجود اقتصاد إسلامي، وأردنا أن نبحث مشكلة التضخّم وارتفاع الأسعار مثلاً، فكم رواية شريفة يمكن أن نعثر عليها لتسعفنا في الحلّ؟ كم آية ورواية تتحدّث لنا عن قواعد التّنمية الاقتصادية مثلاً؟ لنعلم، أنّه لا يوجد شئ اسمه اقتصاد إسلامي. علينا أن لا نخدع أنفسنا بمقولة الاقتصاد الإسلامي، إنّها مزحة فحسب”.

“الإسلام لم يأت إلينا بالطبّ أو الاقتصاد أو الكيمياء ليكون هناك طبّ إسلامي، واقتصاد إسلامي، وكيمياء إسلامي. إنّ النّبي مرشد معنويّ “بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”. النّبي أتى لتعزيز القِيَم الاجتماعية ولم يبعث كي يأتينا بعلوم فيزياء وكيمياء و…إلخ”.

“الاقتصاد اليوم متشعّب جداً، ولا يُدرك إلّا بالدّراسة والتّحقيق ومعرفة ثقافات المجتمعات المتنوّعة وغير ذلك، فإذا ما انتهى إلى فكرة محدّدة ومعيّنة فلا بدّ حينها من أن يُعرّض إلى الاختبار والتّجربة لكي نتأكّد هل ينفع ويثمر ما نحن فيه أم لا”.

“كلامنا هذا ليس في الاقتصاد أو في الطبّ فحسب بل وفي العلوم كافّة. اعذروني، فأزيد وأقول: حتّى في العلوم الإنسانية كعلم النّفس والاجتماع و…إلخ. إنّها علوم صنعها الآخرون يوم لم يكن عندهم شئ. فعملوا عليها ونظّروها وأتوا بعلم الاقتصاد وبعلم الاجتماع وعلم الّسياسة والنّظم والإدارة والحُكم فأنشأوا أنظمة ودول وحكومات وأمم متحدّة و…إلخ حتى صار هذا العالَم الذي نراه اليوم. إنْ كنّا حقاً أذكياء، فما علينا سوى جمع المصادر والمنابع ودرسها وفهمها وطبخها ثمّ نعيد صناعتها وصياغتها وثمّ نطرحها بما يناسب العصر الحاضر كنظريّات علميّة حديثة، وحينها سيتقبّلها الجميع”.

إذا حضر الماء بطل التّيمّم، فلا أراني بحاجة لإضافة تعليق أو شرح بعد هذا البيان الوافي والشّافي. أسأل الله تعالى قبول هذا اليسير وأن يهدينا إلى سواء السّبيل لا سيّما الّذين ذهبوا بعيداً في أسلمة العلوم ومنها العلوم السّياسيّة والاقتصادية حتّى قلتُ فيهم مرّة “كفى متاجرة باسم الدّين. وإذا أتنزّل، فأقول كفى سفهاً في فهم الدّين” فزعلوا!

 

محمّد باقر الرّضوي الكشميري

٢جمادى الأولى ١٤٤٢٤ جُ

المرفقات

  • صورة عن صفحات من كتاب “اقتصادنا” محلّ الاقتباسات. 

  • مقطع فيديو مدبلج لمقابلة مرئيّة مع سماحة السَّيّد عَلَوي بُروجُردي.

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى