مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً

فطريّاً، الإنسان يأنس بأخيه الإنسان.
تأريخيّاً، لم يعش إنسان لوحده قطّ – فيما قرأت واطلعت – بل كان يقترب من أخيه الإنسان بحكم أكثر من ضرورة وحاجة وإن كان ما يفرّق بين المرء وأخيه من طمع وجشع واستعداء وكراهية وقتال وحروب وغير ذلك من أمور لا زالت قائمة ومتصدّرة المشهد البشري بعد كلّ هذا التألق الذهني والتقدم المعرفي الذي يشهده عالم اليوم. العزلة قد ترتقي إلى درجة تعذيب للإنسان، ولا أدري لعلها هي السّبب وراء فلسفة السّجون الإنفرادية البغيضة.
الإسلام الذي هو دين الحياة ومنهاج لسعادة الإنسان، إن أحسن فهمه وتطبيقه، ينصّ بكل وضوح على واحدة من أهمّ وظائف الإنسان
“التّعارف”.
قال تعالى في سورة الحجرات، آية ١٣ ﴿(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )﴾.
ولما كانت خلقة الإنسان تتأثر بمجموعة عوامل مادّية وروحية ونفسية وعقلية وسلوكية، قبل وأثناء وبعد تشكّل نطفته ومضغته وعلقته، لتشكل شخصيته التي ينطلق بها نحو الآخر لاحقاً، فمن الطّبيعي جدّاً بروز ظاهرة التّنوع والاختلاف فيما بين أفراده والّتي نصّت عليها الآية ٢٢ من سورة الرّوم ﴿(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)﴾ حتّى وإن كان الأصل واحداً وهو آدم (عليه السَّلام). فالاختلافُ ناشئٌ لا محالة ولا زلنا بعد لم ندخل مرحلة الفكر والتّخطيط ورسم طريق المستقبل. وحينئذ يحصل ما يحصل، والشيطان متربص (﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)﴾.
الإسلام، عالج الموقف مسبقاً كونه حديث الخالق الأعرف بخلقه، والصّانع الأعرف بما يحتاج إليه صنعه، وهو قد أحسن صنعه. فوفّر ضمن “نظامه الأحسن” في هذا الكون الرّحيب دعامات جليلة وواضحة لضمان سلامة الطّريق والكدح ﴿(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)﴾ فنبّه وأوصى بمبدأ ﴿(لِتَعَارَفُوا)﴾ على مختلف مستوياته.
مستويات التعارف:
هناك تعارف على مستوى الإنسانية ﴿(وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا)﴾، ﴿(وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾)، (﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾)، وهو تعارف يستند إلى وحدة الخلق البشري. فكلنا أبناء آدم (عليه السَّلام). وعن أمير المؤمنين علي (عليه السَّلام) في عهده لمالك الأشتر حينما ولّاه مصراً جاء “واعلم إنّما النّاس صنفان: إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لك في الخلق” فلا بدّ من رعايته وإعطائه حقه.
وهناك تعارف على مستوى العقيدة بالله واليوم الآخر مهما اختُلف في التّفاصيل المؤدّية إلى تشعّب أديان ومذاهب. على سبيل المثال، القرآن الكريم يؤكّد على عمق العلاقة العقديّة والمعرفيّة بين المسلمين وبين المسيحين في أكثر من مورد. فمثلاً قوله تعالى في الآية ٤٦ من سورة العنكبوت (﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾)، أو كما جاء في مطالع سورة الرّوم وقتما كان الرّوم يتعرّضون إلى هزائم من قبل الوثنيّين والملحدين لكن هذه المرّة بشّر القرآن بنصرهم، مدلّاً على جانب آخر من إعجازه، وليبيّن ما سيسرّ أصحابَ النبي (صلَّى الله عليه وآله) به من نَصْر. قال تعالى: [[الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّـهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾وَعْدَ اللَّـهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّـهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾.]] فنسب سبحانه وتعالى نصر الرّوم المسيحيين إلى نفسه بقوله بنصر الله وهو مدعاة لفرح المؤمنين. ومن هنا تجد توجيه ما قاله تعالى في الآية ٨٢ من المائدة (﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)﴾. هنا ثلاث صفات أساسية لتعزيز التّعارف وتذويب ما يمنع أو يكدر التّعارف،
هي: المعرفة، والرّوحانية، والتّواضع.
يبدو أنّ كلّ الأديان تدعو إلى المحبّة والسّلام والوئام، لكن يبدو كذلك أنّ أتباع الأديان ممّن ينقصه الكثير من العلم والرّوحانية والتّواضع كانوا سبباً دائماً في ليّ عنق الدّين والتّسبّب بفتيل النّيران وافتعال الأزمات وثمّ المقاطعة فالتّعدي فالحروب.
إذا كان الإسلام رسالة رحمة وسلام ونجاة للعالمين، تقتضي ﴿(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾) و”بلّغوا عنّي ولو آية”، فكيف بمن هو آتٍ إليك برجليه
مسلّماً مبتسماً مستلهماً؟
أتردّه بقولك: إنّك جعلت عيسى شريكاً لله؟ وإنّك تحمل بين جوانحك خلاف ما تظهره جوارحك؟ أهذا من خُلُق محمّد بن عبد الله، سيّد البريّة وخاتم الرّسل وصاحب الخُلُق العظيم الذي استقبل وفد أساقف نجران في قعر مسجد المدينة؟ – الله الله في ديننا، الله الله في سيرة نبينا، الله الله في منهج أئمتنا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وهناك مستوى ثالث من التّعارف وهو المستند إلى مبدء الاخوّة الإيمانية. قال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وورد عن النّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أنّه قال: “المؤمن أخ المؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً” وعن الإمام جعفر الصّادق (عليه السَّلام) “المؤمنون في تبارّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى تداعى له سائره بالسّهر والحمّى” ونحو ذلك كثير جداً.
من نافلة القول الحديث عن ضرورة تفهّم المؤمنين بعضهم بعضاً مهما اختلفت مشاربهم وأذواقهم. فهناك المؤمن المطّلع وهناك المؤمن المحدود، وهناك المنفتح وهناك المنغلق، وهناك الحماسي وهناك التقليدي وهناك الهادئ الطبع وهناك المتسرّع وهناك الشّعلة من الحركة وهناك وهناك…، ولله في خلقه شؤون، غاية الأمر “إحمل أخاك على أحسنه” و”إحمل أخاك على سبعين محمل”. فكل إنسان هو أعرف بتكليفه الشّرعي، ولا حاجة للتّطفل والتّسبّب يشق عصا المؤمنين، لا سيّما إذا كان هناك مَن هو لائق بالتّصدي وأثبتت التّجارب لياقة تصدّيه مراراً، فلا داعي للتّقدم على الله ورسوله. إنّ الآية الشّريفة ذيّلت بـــــ “واتقوا الله” فلا بدّ للظّاهر من الإنسان من قول وفعل وسلوك أن يتطابق مع التّقوى وهي الصّفة الباطنية المانعة من التّقدم على الله ورسوله. وإلّا فـــــــــــــ ﴿إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
محمّد باقر الرّضوي الكشميري
٢٤ جمادى الثّانية ١٤٤٢

تعليق واحد

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى