المقالات

نظرية المنتظر في زمن الكورونا

 

 

فلسفة الانتظار هي جزء من عقيدة وايمان بالتطلع لغد افضل في ظل ما تناقلته لنا كتب السيرة والتاريخ حول ما ورد فيها من فواجع واوبئة وحروب تجعل النفس البشرية في ميدان قياس الثبات على الايمان والصبر والثقة بالله الامر الذي يهون تلك المصائب وفواجعها ، ليكون الانتظار جزء من الاعتقاد وان تباين الناس واختلفوا في تفسير ذلك الا انه يرتبط بجعله ممكنا ومقبولا مهما طال وامتد الزمن ، فانتظار العدل هو فكرة نسبية بعيدا عما تعنيه لكل فرقة من الناس انتظارا للغائب المعصوم لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه فانتظار الفرج يهون مرارة الانتظار ، وهو ما نمر به في ايامنا هذه من انتظار لدواء او لقاح لهذه الجائحة التي بدلت احوال الناس لتتبدل الحياة في كافة ارجاء الكرة الارضية ليفرض نفسه على شعائر الاديان باختلاف مسمياتها فانتشار الفيروس في انحاء العالم كانتشار النار في الهشيم لتوقف الشعائر الدينية في معظم انحاء العالم في مشهد مثير مستشهدا بالواقع المؤلم فاحتفال بابا الفاتيكان البابا فرانسيس الاول وحيدا بالقداس الكاثوليكي الرسمي في ايطاليا تزامنا مع الغاء اساقفة الكنيسة من مختلف الجنسيات اللقاءات والمؤتمرات التي كانت معدة مسبقا قبل انتشار الفيروس مع اتخاذ دولة الفاتيكان قرار اغلاق كاتدرائية وساحة القديس بطرس كأجراء يهدف للحد من انتشار الفيروس وكذلك الحال في المعابد اليهودية في الولايات المتحدة التي اغلقت ابوابها والغت الاحتفال بعيد البوريم الذي يشبه الكرنفال وكذلك الامر في مهرجان هولي الهندوسي للألوان الذي الغي لنفس الاسباب ، والحدث الاهم هو تعليق العمرة بقرار غير مسبوق مع غلق الكعبة الشريفة ليكون اجراء استثنائي بكل المقاييس برسالة واضحة لكل العالم بكيفية التعامل مع الوباء ولا سيما بعد تسبب مناسبات دينية بانتشار الوباء كما هو الحال في كوريا الجنوبية عند تجاهل الطائفة المسيحية مناشدات الحكومة المتكررة بمنع التجمعات الدينية لتساهم بتصرفها ذلك بارتفاع عدد الاصابات في البلد ، ليأتي الفيروس ليوقظ الانسانية من غفوتها العميقة في الاستسلام للطمأنينة الحضارية وبان القادم هو صرح من الخلود الحافل بالمنجزات الحضارية والتقدم التكنلوجي لتكون تلك الصدمة التي ايقظت الانسان من غفلته وبيان عجزه ازاء مصير غامض فلم يسلم منه احد من دين او كيان سياسي فلم ينفع المال ولا الحنكة ولا القوة ليبقى الامل بالعلم الذي ما زال يقف عاجزا حتى اليوم عن مواجهة هذا التحدي المرعب لوضع نهاية لفيروس متناهي بالصغر لا يرى بالعين المجردة فانتظار اللقاح للجائحة التي انتشرت والذي قد ينقذ الانسانية من مصير مخيف وان كنا لا نريد التقليل من شان العلم الا ان ذلك يثير اسالة خطيرة فاذا ما وجد الدواء الذي ينقذ الانسانية فكم عدد الجائحات التي تنتظر في المستقبل القريب او البعيد والتي قد تكون اشد فتكا واعظم هولا مما عرفته الانسانية مسبقا لتكون تلك تحديات هائلة تهدد مصير الحضارة الانسانية ، الا ان الموضوع لا قد لا يتعلق بالأوبئة والامراض التي قد تظهر في المستقبل لثير ذلك كله قضايا فكرية واعتقادية تثير الوعي الباطن للإنسان وكونه غاية الوجود وصانعا للتاريخ ولأمجاد الحضارة الانسانية  ، ل تكون فكرة المخلص المنتظر مرتبطة بتحقيق العدل والخلاص من الظلم وان كان اساسها الفكري والديني موجود كقاسم مشترك بين الحضارات والشعوب والامم كأمر اكدته معظم الدراسات  في الاديان والحضارات منذ بدء الخليقة الى يومنا هذا ،فالباحث في أنثروبولوجيا العقائد القديمة يجد انها نسجت صورا متشابهة لشخصية المخلص او المنتظر في صراع بين الخير والشر والحق والباطل ، فلا نجد شعبا من الشعوب او امة من الامم الا وتلك الفكرة ضاربة في عمق فكرها ومبادئها الدينية وتراثها الفكري ليكون المنقذ الذي ينتشلها من براثن الظلم والشر محققا لها الحياة الكريمة حيث يسود العدل والامان ، وهو ما كان دافعا للبعض لاستغلالها لتحقيق مارب يرومونها وصولا لأهداف دنيوية بعيدة كل البعد عن الهدف السامي الذي يسعى المخلص لتحقيقه عند ظهوره ليوهمون الناس بانهم منقذوهم المنتظرين، لذا فالأصل الفكري هو مفهوم مشترك بين شعوب وديانات عدة لكن الاختلاف يقع في تصور المنتظر والمخلص في عقيدة تلك الشعوب ودياناتها ومذاهبها فعلى الرغم من تنوع العقائد بات المنتظر طموح ترنو اليه البشرية جمعاء لتحقيق رسالات السماء بمغزاها العظيم وهدفها الذي يسمو على صغائر الامور كضرورة لم تقتصر على الشعوب المتدينة التي نشأت لديها الفكرة عبر الاعتقاد الديني عند قدماء المصرين الذين مثلوا دور المنقذ ومثلوه بفيضان نهر النيل ،وفي كتب قدماء الصينين فالبوذيون يتنظرون ظهور بوذا اذ يعتقد البوذيون انه أله كامل تجسد بالناسوت قدم نفسه كأضحية ليكفر ذنوب البشر ،والهنود يؤمنون بعودة الاله فيشنو في معتقداتهم الذي يمثل عندهم ارقى اشكال الانقاذ في التناسخ ،والاسبان ينتظرون عودة ملكهم روذريق والمغول قائدهم جنكيز خان  لذلك ترسخت تلك العقيدة كفكرة عند شعوب وديانات ومذاهب عدة كطموح وصورة مثالية للإنسان كفكرة متجذرة ولا سيما في الديانات الشرقية  ، اذ لم يقتصر الامر على ذلك بل امتد للفلاسفة والكتاب والعلماء الغربيين بتصريح معلن بان العالم بانتظار المصلح الذي يأخذ على عاتقه توحيد الجميع تحت راية واحدة ومن اولئك المفكرين الفيلسوف الانكليزي ( براند راسل) الذي قال بان : ( العالم في انتظار مصلح يوحد العالم تحت علم واحد وشعار واحد ) ، وكذلك صرح ( انشتاين) صاحب النظرية النسبية الذي قال بان : ( ان اليوم الذي يسود العالم كله الصلح والصفاء ويكون الناس متحابين متآخين ليس ببعيد) كما بشر الفيلسوف الانكليزي ( برنارد شو) في كتابه (الانسان والسوبر مان ) بمجيء المصلح ، اما الديانات ومنها الديانة المسيحية وعلى لسان ( مينا جرجس) نقلا عن كتاب ( وحدة العقيدة والفكر) قوله : ( ان العلامات التي ذكرها الرب في الانجيل تبدو واضحة بأكثر من جلاء هذه الايام واصبحنا نعيشها كلها ….كما انه لا توجد علامة من تلك العلامات التي ذكرها الرب في الانجيل الا ونراها واضحة هذه الايام الامر الذي يدعونا ان نكون في حالة استعداد قصوى لاستقبال الرب الاتي على سحب السماء) ، اذن مما تقدم نجد ان اصل الفكرة من الثوابت عند الشعوب والامم وان وجد اختلاف فهو يرجع لاختلاف ثقافات تلك الشعوب فكل منها يدعي كون المنتظر والمخلص منه وهو قائده بغض النظر عن مفردات الامور وتفرعاتها الا ان تلك الفكرة نجدها بشكل واضح في الديانات السماوية الثلاث ( اليهودية والمسيحية والاسلام) وان كان الدين الاسلامي ينفرد عن الاديان السابقة بكونه خاتم الاديان لمنحنا صورة واضحة الابعاد عن المصلح المنتظر بتسميته وذكر اصله وصفاته وهي صورة سبق وان تطرقت لها الاديان التي سبقته بشكل واضح وجلي ، فاليهودية تشير للمخلص الذي يظهر في جبل صهيون في بشارة جاءت في ( سفر اشعيا) بالقول ( ستخرج بقية من القدس من جبل صهيون  غيرة رب الجنود ستصنع هذا) ليؤكد بذات المعنى في ( سفر زكريا) بالقول ( ابتهجي كثيرا يا بنت صهيون   هو ذا ملكك سياتي اليك ) وهي اشارات واضحة على مجيء المنقذ في المستقبل لتكون ايمانا بعودته وظهوره فهم يؤمنون بعودة عزير ( عليه السلام) لتكون تلك الافكار تراث متأصل وثابت في معتقدهم الفكري بغض النظر عما يرافق تلك المعتقدات من تفصيلات ففكرة المنقذ او المخلص عندهم تنحو منحى ماديا بعيدا عن الامور الغيبية فالتفكير في المخلص او المنتظر يظهر عند شعورهم بالبؤس والشقاء لفك القيود والاغلال عن شعبه فاذا ما استقرت الاحوال باتت مهمة المنتظر زيادة المكاسب والحفاظ عليها فاعتقاد اليهود بانهم شعب الله المختار تؤكد اعتقادهم بان الله سيرسل لهم منقذا ينتشلهم من البلايا والنكبات ليعيد مجد بني اسرائيل وينفذ احكام التوراة ومنها ما جاء التوراة ( سياتي ابن الانسان على سحب السماء ويعطي المجد والملك ومملكة تخدمها جميع الامم والشعوب ) لتكون تلك العقيدة من اهم عقائد الديانة اليهودية ومن اشهر المنقذين عند بني اسرائيل القضاة الاثنى عشر ، اما المسيحية فالإيمان بعودة المسيح عيسى بن مريم ( عليه السلام) من الثوابت التي لا تحتاج الدليل لتظهر واضحة في كتابات علمائهم ومثقفيهم وكتابهم وان كانت مستوحاة بشكل من الاشكال من الفكر اليهودي باعتمادها على التراث التوراتي لذلك كانت فكرة صلب المسيح بداية لإنقاذ البشرية من الشرور المحيطة بها اذ جاء في العهد الجديد ( انقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا الى ملكوت محبته الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا) ، اما في الاسلام ففكرة المنتظر من الثوابت لدى المسلمين ولا سيما ان الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة تدلل بوضوح على المنتظر الذي يظهر في اخر الزمان بشكل يقطع الشك والريبة لقوله تعالى في سورة الانبياء في الآية (105) : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون ) وقوله جل وعلا في سورة النور الآية ( 55) : ( وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذيم من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى )، وقوله تعالى في سورة الصف الآية التاسعة منها : ( هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )، لتاتي السيرة النبوية باحاديث الرسول ( عليه وعلى اله وصحبه افضل الصلاة والتسليم ) باحاديث متواترة تدلل على ذلك وتؤكده لقوله (ص) والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي ، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الارض بنور ربها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب )وعنه عليه افضل الصلاة والسلام قوله : ( سيكون من بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء امراء ومن بعد الامراء ملوك جبابرة ثم يخرج المهدي عليه السلام من اهل بيتي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا) وقوله عليه افضل الصلاة والسلام : ( أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ، وقوله(ص) : ( الائمة من بعدي اثنا عشر اولهم علي بن ابي  طالب واخرهم القائم هم خلفائي واوصيائي واوليائي وحجج الله على امتي بعدي )، وقوله (ص) : ( اني تارك فيكم ما ان تمسكتم بهما بعدي لم تضلوا : كتاب الله وعترتي ، وانما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) ، لتكون تلك الآيات الكريمة والاحاديث المطهرة دليلا على ثبوت فكرة المصلح المنتظر عند المسلمين كأطروحة الهية للوصول بالإنسان ذلك المخلوق الذي كرمه الله على سائر الموجودات كقيمة روحية ومادية لتذهب جميع المذاهب الاسلامية على ظهور المنتظر الذي يملأ الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما لقوله تعالى : ( وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدوني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) اذ تشير آيات قرآنية عدة للوعد الالهي للمؤمنين بأستخلاف الارض واظهر الحق في ارجاء المعمورة  ، فللمهدي صفات خاصة يكاد يتفق عليها بين المذاهب الاسلامية فهو من نسل بيت النبوة من كنانة قريش من بني هاشم ومن ولد فاطمة (عليها السلام) اسمه كاسم النبي كما تدل على ذلك المرويات ويعود في اخر الزمان ويحكم على نهج الخلافة ليكون الطرح الاسلامي في نظرية المنتظر هي الاصلح في الطروحات المتداولة منذ بدء الخليقة لقيادة المجتمع كرمز للنور والخير كامتداد انساني تتوارثه البشرية .

الافكار مقتبسة من ندوة اقامتها أكاديمية البلاغي بعنوان ( المنقذ والمصلح في اخر الزمان )بمحاورها الثلاث للأيام  16 و18 و20 ايار من عام 2020) حاضر فيها حسب التسلسل كل من المطران الدكتور يوسف توما والشيخ الدكتور عبد الوهاب السامرائي والسماحة السيخ عامر البغدادي على التوالي .

 

بقلم د. ايناس عبد الهادي الربيعي

تعليق واحد

  1. نسب الرجل يرجع إلى أبيه ولايرجع الى امه ، لماذا لم يذكر الله عز وجل المهدي في القرآن ؟ اي حديث لا يتطابق مع القرآن فهو مدسوس ، اليهود والعجم دسوا كثيرا من الاحاديث بين الكتب ، هل كان للرسول او ال البيت مذهب ؟
    ايران بزرادشتية مذهبها لم يعتنقوا الاسلام قلبا وإنما قالبا ولماذا تقويمهم زرادشتي وليس هجري او ميلادي ؟ و٢١ آذار هي بداية سنتهم ونشروا صور شاعرهم الزرادشتي حافظ الشيرازي على اساس انه ( الحسين ) ومع بعض الرتوش على اساس انه ( علي ) ومبدأ ال ١٢ موجود عند اليهود وموجود عند المسيحية ، اليهود والعجم ينتظرون الدجال . ام نسيتي قوله تعالى ( لم يكن محمدا ابا احد من رجالكم ؟

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى