مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

منطلقات الحوار المسيحي الإسلامي وآفاق العمل المشترك

 

على ما يبدو، هناك إجماع على أنّ المسيحية والإسلام هما أكبر ديانتين على وجه المعمورة اليوم بلا شكّ ولا ريب.
وعليه، فإنّ أيّ تقارب يحصل بين أتباع هاتين الدّيانتين سيثمر ويؤدّي إلى مخرجات إيجابية، وهو بدوره سيلقي بظلاله على سائر أتباع الدّيانات الأخرى بالإيجابية تباعاً.
من أهمّ ما يجلب الإنتباه وما يشجّع على استكشاف منطلقات الحوار والعمل المشترك بين الإثنين هو ما إذا كانت هناك رؤية مشتركة لمستقبل واعد. وهذه الرّؤية يبدو جاهزة وواضحة وفي متناول اليد. ألا وهي “الخلاص” وبسط “العدل”. هناك أصل جوهري يعتقد به المسيحيون بقوّة وعلى ما يبدو لا يشاركهم أحد فيه إلّا المسلمون. فالمسيحيون يعتقدون بأنّ عيسى هو المسيح الموعود الذي تتحدّث الأناجيل عن قدومه الثّاني بعنوان المخلّص. والتّراث المعرفي الذي ورثه المسلمون عن أئمتهم المعصومين (عليهم السَّلام) وغيرهم يجعل المسلمين يعتقدون بأنّ عيسى هو المسيح الموعود الذي سينزل من السّماء ويعمل مع الإمام المهدي المنتظر من أجل إسدال باب الظّلم والجور وبسط القسط والعدل.

هذه الرّؤية المشتركة القائمة على أساس عَقَدي تفتح لنا آفاقاً لمعرفة منطلقات عديدة ومتنوّعة للحوار والعمل المشترك، منها:

أولاً: منطلق الأرضيّة والقاعدة الرّصينة المؤهّلة لهذه الرّؤية
فهناك ثلاث أركان أساسية ذكرها القرآن لضمان نجاح أيّ حوار في هذا المجال، هي: كلمة سواء، والتودّد والتواضع، وفنّ الأداء حسبما تصرّح النّصوص القرآنية، كقوله تعالى:
– ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾
– ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّة لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَاناً وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُون﴾
– ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
لا شكّ ولا ريب قد يتوفّر من المسيحيين والمسلمين عدد يعمل خلاف هذا الإتجاه لجهلٍ أو قلّة وعي أو لتعصبٍ أو لأجندةٍ معينة وما إلى ذلك، وهذا أمر طبيعي ومتوقّع في كلّ زمان ومكان، لكن بوجود أغلبية واضحة وقيادات وزعامات روحيّة عُليا فإنّها ستكون هي الفارضة وهي المسيّرة كلّما أظهرت حكمتها وأجلت عن مقاصدها وعملت على توظيف مهمّتها الرّسولية والتّبليغية. إذن، هذا منطلق قوي وخصب جدير بأن يستثمر على أفضل وجه.

ثانياً: منطلق وحدة ما يؤمن به الطّرفان
ظواهر عديدة، ومنهجيّات متنوّعة، وسلوكيات متعدّدة تتوفّر لدى الجانبين توحي وتشعر الملاحظين والمراقبين بأنّ هناك العديد من المبادئ والمعتقدات والمتبنّيات الفكرية لدى الطّرفين هي في واقعها موحدّة في إطارها العام وتصلح لتكون منطلقاً رصيناً وراسخاً للحوار والعمل والمشترك. على سبيل المثال أساس الإيمان بالله الواحد، وأساس الإيمان بالأنبياء والمرسلين من عند الله، وأساس الإيمان بالكتب السماوية، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بقواعد الأخلاق المبتنية على الإيمان بالله. هذه كلّها ثروة كبيرة وهائلة تصلح لتكون منطلقاً آخراً لشرعنة آفاق غير محدودة للحوار والعمل المشترك.

ثالثاً: منطلق نظرة الإسلام إلى السّيد المسيح ورسالته.
كون المسيحية هي الأكبر عدداً والأكثر اتّساعاً، فإنّ الكرة في ملعبها هي، وبالتّالي فالنّتيجة الطبيعية هي لا بدّ وأن تكون المسيحيّة هي المحرّكة وهي اللأعب الذي يتحمّل عبأ التّحرك والمبادرة. لكن، ومن الجهة الأخرى، أي المسلمين، فإنّ عقيدتهم القائلة بتكاملية الأديان وأنّ الإسلام مكمّل ومتمّم للمسيحية، فهم يرون أنفسهم في جميع الأحوال معنيين أساساً بالتّحرّك مهما كان الأمر، وذلك لما عرفوه من قرآنهم وما سطّره الله تعالى من نصّ مقدّس يرون المسيح ورسالته بعيون مليئة بالقدسية والتّوقير والتّبجيل. فالمسلمون يعتقدون بأنّ السّيد المسيح هو (روح الله) و(كلمته) التي ألقاها إلى مريم. وأنّ مريم مقدسةٌ عذراءٌ حملت بعيسى روح الله دون أن يمسّها بشر. وأنّ المسيح هو الموعود في العهد القديم وأنّه من أنبياء أولي العزم. وأنّه كان معجزةً في تمام مراحل حياته بدءً من ولادته وانتهاءً برفع الله له إلى السّماء. فالمسلمون يعتقدون بأنّ المسيح لا يزال حياً وأنّه سيظهر من جديد مع الإمام الذي ينتظره المسلمون ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً. كما يعتقد المسلمون بضرورة الإيمان بجميع الأنبياء بدءً من آدم وانتهاء بمحمد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله) وأنّ آخرهم قبل الخاتم هو عيسى عليه السَّلام.

العمل المشترك
إنّ منطلقاتٍ مشتركةٍ رصينة ٍكهذه بمقدورها تشكيل قاعدةً صلبة لانطلاق عمل مشترك في اتجاهات شتّى من شأنه المساهمة في إيجاد متغيّرات إيجابية كبيرة. لا داعي لاغماض النّظر والإكتفاء برسم الصُّور الورديّة بينما فعلاً يشهد العالَم أزمة ثقة متبادلة تحصل في هذا الموقع الجغرافية أو ذاك، أو في زاوية هذا القُطر أو ذاك، أو لدى هذه الطائفة أو تلك، نتيجة أسباب عديدة كالجهل بالآخر، وهيمنة ثقافة المقاطعة، وتحرّك صغار القوم وتصدّرهم مسارح دينية وفكرية تفوق أحجامهم، والأخطر من كلّ ذلك ترك الأمور للحكّام والسّلطات والأهواء السّياسية التي كانت على طول الخط مخرّبة أكثر مما هي محايدة.
وإذا ما تمّ تجاوز عقبة أزمة الثّقة، فلا بدّ من تحديد محاور العمل المشترك ووضع استراتيجية محددّة لتفعيل كلّ محور بما يلائمه من حلول. هناك جانب الانتهاكات التي تحصل في بعض البقاع لأقليّات مسلمة أو مسيحية على حدّ سواء لا بدّ من إيجاد حلول لها أينما كانت في بلاد إلحادية ووثنيّة أم بلاد مسيحية أم بلاد إسلامية، لا فرق. فالظّلم لا قرابة له والمظلومون كلّهم أسرة واحدة. هناك جانب من عمليات إقصاء وتحييد تحصل في ساحات علمية وفكرية دولية تستحقّ عناية الزّعامات الرّوحية والتّدخل فيها لتكوّن أجواءً سليمة لأتْباعهم يمارسون فيها حرّية البحث العلمي وحرّية التّعبير وممارسة الحراك الفكري المقارن. هناك مشكلة التّعصّب لدى أطراف من هذا الجانب وذاك على حدّ سواء، لا بدّ وأن تحلّ أزمتها بشكل وآخر. هناك ظاهرة العزوف عن الأديان بشكل مطّرد لا بدّ من وضع آليّات تثقيفية ومواد تعليمية مناسبة لهذا العصر لتشدّ أود المؤمنين بالمسيحية وبالإسلام وتحصّن الضّعفاء من التّأثر بالفساد الفكري والعَقَدي إفراغاً لذمّتها أمام الله تعالى. صحيح وممّا لا شكّ ولا ريب فيه أنّ “العاقبة للمتّقين”، وأنّ الأرض “يرثها عباد الله الصاّلحون”، وأنّ دين الله لا يذبل بل له الغلبة وسينتصر بالنّهاية لا محالة، لكنّنا نتحدّث عن واقع حال في هذه البرهة الزّمنية التي تفشّى الفساد فيها لدرجة تكاد ينتهي معها نظام الأسرة والعائلة وتنتهي القيم الإنسانية والأخلاقية القائمة على مبدأ الإيمان. وهنا تتضاعف المسؤولية تجاه القادة الرّوحيين لأنقاذ ما تبقّى من أتباعهم المستضعفين. إنّنا نعيش ظاهرة فراغ المساجد من الشّباب بشكل لم يحدّثنا التّأريخ عنه من ذي قبل، وظاهرة بيع الكنائس وإدبار النّاس عنها بشكل لم نعثر على مثيل له فيما نسمع ونقرأ كما نشهده اليوم. هذه وغيرها من تحدّيات تنتظر من الزّعامات الرّوحية من كلا الجانبين التّحاور والعمل المشترك على مواجهتها بقوّة العلم والحكمة والموعظة الحسنة والمواقف المشرّفة والقرارات المناسبة والإجراءات الملائمة.

إنّ فرصة اللقاء البابوي-المرجعي يمكن أن تكون لحظة تأريخية ملهمة، ومبدأ لعمل مشترك نافع ومثمر، ولشهود عصر إيماني متألّق، مقدّمة لعصر ظهور المصلحَين العظيمَين، بنزول عيسى من السمآء وظهور المهدي من الخفاء، فيقودا العالَم إلى الخلاص والسّلام والأمن والأمان، فللباطل جولة وللحقّ دولة. آمين.

 

 

محمّد باقر الرّضوي الكشميري
٩ رجب ١٤٤٢هـ

تعليق واحد

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى