مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

الابعاد القانونية للتشريعات لمواجهة كورونا

منذ 11 اذار من العام الماضي اعلنت منظمة الصحة العالمية تفشي فيرس كورونا المستجد والذي ظهر لأول مرة في مدينة ووهان الصينية في كانون الاول من عام 2019 ولتحول مستوى التفشي لجائحة او ما يسمى بالوباء العالمي لتدعو المنظمة الدول ممثلة بحكوماتها لاتخاذ خطوات عاجلة وصارمة لوقف انتشار الفيروس ، وبما ان القانون الدولي لحقوق الانسان يكفل لكل شخص الحق في اعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه مع الزام الدول باتخاذ التدابير اللازمة لمنع التهديد الذي يمكن ان يقع على الصحة العامة مع تقديم الرعاية الطبية لمن يحتاجها اضافة لذلك يقر القانون ذاته القيود التي يمكن فرضها على بعض الحقوق في سياق وجود تهديد خطير للصحة العامة وحالات الطوارئ التي تتهدد حياة الامة لتكون مبررة بان يكون لها اساس قانوني وضروري وفق اسس علمية لا تعسفا ولا تمييزا ومتناسبة ولفترة زمنية محددة مع احترام كرامة الانسان مع قابليتها للمراجعة لبيان مدى تحقيقها لأهدافها المنشودة .

وبما ان وباء كوفيد -19 على اتساعه وخطورته يرقى لمستوى تهديد الصحة العامة بما يبرر ووفقا لذلك فرض قيود على بعض الحقوق كالتي تنجم عن فرض الحجر الصحي والذي يحد من حرية التنقل وفي خضم الاضطراب المرافق للازمات وللحد من الاضرار التي من الممكن ان تنجم عن فرض تلك التدابير عند عدم مراعاة المعايير المتعلقة بحقوق الانسان كما هو الحال في عدم التمييز والشفافية واحترام الكرامة الانسانية فبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمصادق عليه من معظم الدول يحق لكل انسان التمتع باعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية يمكن بلوغه والحكومات ملزمة بأتخاذ التدابير الفعالة للوقاية من الامراض الوبائية  والمتوطنة والمهنية وغيرها من الامراض عبر علاجها ومكافحتها اذ تؤكد المنظمة من خلال اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تعمل على رصد التزام الدول بالعهد لارتباط الحق في الصحة ارتباطا وثيقا بأعمال حقوق الانسان الاخرى ويعتمد على ذلك فالحق في الصحة يقتضي توفر السلع والخدمات الصحية بالكميات الكافية وللجميع وبأسعار معقولة دون تمييز حتى للفئات المهمشة مع كونها مناسبة علميا وطبيا وعالية الجودة ، لتقدم مبادئ سيراكوزا المعتمدة من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة عام 1984م والتعليقات العامة للجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة بشأن حالات الطوارئ وحرية التنقل توجيها ملزما للحكومات حول الاجراءات المتخذة من قبلها والتي تقيد حقوق الانسان لأسباب متعلقة بالصحة العامة او الطوارئ الوطنية بأن تكون تلك الاجراءات قانونية وضرورية ومتناسبة ولمدى زمنى محدد يتسم بالتأقيت مع مراعاة الاثر غير المتناسب على مجموعات سكانية او فئات مهمشة بعينها، اذ اعلنت مجموعة خبراء حقوق الانسان الامميين في آذار من عام 2020م بان اعلان حالات الطوارئ حول العالم لا ينبغي ان يستخدم كأساس لاستهداف مجموعات او افراد معينين لذا فلا يمكن ان تستخدم كغطاء تحت ستار حماية الصحة او لقمع المعارضة ، ومن تلك الحقوق حق حرية التعبير فالحكومات ملزمة ومنها حق استلام ونشر المعلومة فلذا لا يمكن ان يقيد هذا الحق لأسباب تتعلق بالصحة  العامة او ان يتعرض هذا الحق للخطر لذا تكون الحكومات ملزمة بتقديم المعلومات اللازمة بما يتعلق بالصحة ومنها ما يتعلق اتاحة الحصول على المعلومات المتعلقة بالمشاكل الصحية الرئيسية في المجتمع شاملا بذلك طرق الوقاية والمكافحة لتكون التزامات ذات اولوية تضمن وجود معلومات دقيقة وحديثة حول تفشي وباء ما وطرق الوصول للخدمات والجوانب المتعلقة بالاستجابة لأي تفشي الفيروس لتكون متاحة للجميع بما يضمن سهولة الحصول عليها ولعل اقرب دليل على الدول التي لم تحترم الحق في حرية التعبير واتخذت تدابير ضد الصحفيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية هي الحكومة الصينية عندما اخفت عن الجمهور وجود الاصابات وشدتها وتجاهلت احتمال انتقال الفيروس بين البشر مع قيامها باحتجاز اشخاص لنشرهم معلومات عن الوباء على وسائل التواصل الاجتماعي مع فرض رقابة على ما يتداول من نقاشات حول الوباء على شبكة الانترنت مع استدعاء الطبيب (لي وينليانغ) الذي يعمل في مستشفى ووهان حيث يعالج المصابون من قبل الشرطة بتهمة ترويج الاشاعات بعد ان سبق وقام بالتحذير من الفيروس في غرفة دردشة على الانترنت لتوفى في مطلع سباط من العام الماضي بسبب الفيروس، اما في تايلند فقد  واجه افراد يعملون في قطاع الصحة العامة وفيين تحدثوا على الانترنت ملاحقات قضائية انتقامية من قبل السلطات بعد سبق انتقادهم لاستجابة الحكومة لتفشي الوباء واثارتهم لمخاوف وجود تستر على ما يجري على ارض الواقع بما يتعلق من عدد الاصابات والوفيات ونسب الشفاء مع نشرهم لتقارير مزعومة عن فساد مزعوم بتكديس الاقنعة واللوازم الطبية للتربح منها ليواجه العاملون في مجال الصحة بإجراءات تأديبية تشمل الغاء العقود وتراخيص العمل بسبب حديثهم عن النقص الحاد في المعدات الاساسية في المستشفيات في عموم البلاد.

وعلى النقيض من ذلك نجد ان بعض الدول انتهجت سياقا اخر في التعامل مع الاحداث  اذ اتخذت خطوات سريعة في التعامل مع انتشار الفيروس مع التغطية الاعلامية اليومية المقدمة من قبل مسؤولو الصحة واعلانات الخدمة العامة في معرض العمل على مواجهة المعلومات الخاطئة  وذلك لتقليص الذعر وكسب ثقة الناس والتشجيع على تقديم المساعدة للآخرين في الازمة كما هو الحال في تايوان وسنغافورة وكوريا .

في حين بعض الدول شهدت تخبطا في التصاريح المتضاربة كما هو الحال في ايطاليا اذ مثلت التصاريح المتناقضة للمسؤولين الحكوميين والتي قد تعزا لأسباب سياسية داخلية قلصت من تأثير الاعلانات العامة المتعلقة بالتباعد الاجتماعي في بداية الازمة لتعود الحكومة للعودة لتنفيذ حملة واسعة عن وسائل الحماية الفضلى لحماية الذات والاخرين لانتشار الفيروس. 

وبالعودة للضوابط القانونية الموضوعة خلال فترة انتشار الفيروسات والرامية لمواجهة انتقال العدوى والهادفة للحد من نقل العدوى الناتجة عن انتشار الفيروسات نجد ان القوانين المشرعة بشكل جيد يمكنها ان تكون احدى اهم وسائل مواجهة الازمة وتساعد على بناء نظم صحية قوية من خلال فرض اجراءات لتهيئة اوضاع اكثر امنا لتكون تلك القوانين هي الاساس للتنفيذ الفعال للوائح الصحية الدولية المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية للوقاية من العدوى ومكافحتها عبر تنظيم السفر والتجارة وتنفيذ تدابير الحفاظ على الخدمات الصحية الاساسية ولا سيما ان انتشار الجائحة شهد زيادة كبيرة في الاجراءات التشريعية العاجلة لمكافحة الجائحة والحد من آثارها ، اذ ان وضع أطر قانونية قوية هو امر بالغ الاهمية للاستجابة الوطنية لمواجهة الجائحة والتي تندرج في معظم الاحيان خارج القطاع الصحي وبما ان الصحة مفهوم عالمي فهنا ينبغي موائمة تلك الاطر القانونية مع الالتزامات الدولية من اجل الاستجابة الفعالة للمخاطر الصحية الحالية والمستجدة لذا بات ارساء اساس قانوني قوي للصحة اكثر اهمية من اي وقت مضى ، اذ ان القوانين التي تشرع بشكل سيء يمكن ان تمثل ضررا بالفئات المهمشة من السكان لتعيق بذلك الجهود الرامية لأنهاء الازمة وتخطي الجائحة وهو ما يظهر الحاجة لوضع تشريعات تتسم بالدقة والحكمة في التعامل مع الازمة الحالية مع مراعاة ان تضمن الحق لجميع الافراد في الحصول على ما يحتاجونه من خدمات صحية ووقائية وعلاجية لتكون تلك التشريعات ذات أثر فعال في تخطي الازمة .

 

  د. ايناس عبد الهادي الربيعي مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى