مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

💠الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٣) ▪️الأسلوب المناسب

 

🔹إن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساليب مختلفة لكلٍ موضعها، ومن استعمل أحدها في موضع الآخر فقد أفسد، بل ربما أوجب نهيه إصرار صاحب المنكر عليه وتحمسه له، بل قد يؤدي إلى اعتباره المنكر معروفاً من جهة الانفعال أو التبرير أو الدفاع عن النفس، وإنما مثل أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل الأدوية وجرعاتها حيث لا ينفع دواء في محل دواء آخر، ورب جرعة ناقصة ليست فاعلة، أو زائدة موجبة لمفاسد أخرى قد تزيد على مفاسد الداء الذي أريد علاجه.

🔹ولذلك ينبغي أن يتصف المرء بالحكمة في معالجة الأمور حتى يأتي بكل شيء في محله، ولا يأتي الأمور من غير وجهتها، ولا يزيد المفسدة في مقام علاجها، ومن وجوه الحكمة ما يلي:
١ــ تجنب الفوقية والاستعلاء، وذلك أنه لا يراد بالأمر والنهي ان يتكلف المرء حالة من التأمّر والاستعلاء والتحكم والشدة والغلظة وإعمال القوة، كما قد يستوحى ذلك من مفهوم الأمر والنهي، بل المراد بالأمر والنهي هو ما يشمل جميع الأساليب التربوية والملائمة ولو كان على وجه الإرشاد واللين والتقريب والإقناع، ومفهوم الأمر والنهي في اللغة قد يطلق على المشورة، كقول فرعون: [إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ].

وعليه ينبغي حذر المرء من أن يجعل من هذه الفريضة الفطرية وسيلة إلى فرض الشخصية والانطلاق من موضع العلو والكبرياء، فلا يظهرنّ بمظهر التكبر والأنانية، وليحذر من التوسل بها إلى احتقار الآخر وكسر شخصيته، فإنه يؤدي إلى نقيض المقصود.

٢ ــ تحري الأسلوب الأمثل للتأثير الإيجابي، وذلك لأن الغاية من هذه الفريضة هي التأثير الإيجابي على الآخر ولذلك ينبغي للمرء أن لا ينطلق من كون الأمر والنهي غاية لذاتهما، بل يتحرى الأسلوب الأمثل للتأثير والنفوذ في عقل الآخر ومشاعره وسلوكه، وليتأمله تأملاً كافياً قبل الإقدام عليه، إذ لايتأتى للمرء إصلاح ما صدر منه بعد صدوره، ورب قاصد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس له منهما إلا الاسم والعناء، ولو صمت لكان أولى.
٣ ــ الانتباه إلى اختلاف الأسلوب المناسب للآمر، وذلك أنه قد يختلف الأسلوب اللائق بحسب المتصدي لهذه الفريضة..
أ.فهناك ما يليق بالدولة وفق وظيفتها في تشريع القوانين العادلة وتنفيذها، ولا يصح لسائر الناس المبادرة إليها.

ب.كما أن منها ما يليق بعامة الناس فيما بينهم.
ج.ومنها ما يليق بذوي المكانة الخاصة أو الاستحقاقات المعينة كالوجهاء النافذين والوالدين والتلاميذ والأزواج والأصدقاء.
فإنّ كلاً راعٍ وكلٌ مسؤول عن رعيته.
٤ــ رعاية الرفق وتجنب الخشونة، فلا يظنن ان كل أسلوب كان أشد فإنه سيكون أكثر تأثيراً بالضرورة، بل ربّ لين أنفع من شدة، وحلم أنفع من التعجل، وكناية أنفع من تصريح، وتثبت خير من تسرع، وعمل أوفى من قول، وصمت أبلغ من كلام، ورب أسلوب غير مباشر أوقع في النفس من الأساليب المباشرة، بل قد يوجب الأسلوب الأشد في غير موضعه إلى العناد والإصرار والمكابرة، فيكون نقضاً للغرض وإفساداً لهذه الفريضة.

٥ــ ــ ملاءمة الأسلوب للبيئة، وذلك أن للبيئات والأعراف المختلفة زماناً ومكاناً أثراً كبيراً في ملاءمة بعض الأساليب دون بعض، فلا يصح قياس الزمان الحاضر بالأزمنة السابقة، ولا البيئات الاجتماعية المختلفة في مقوماتها وإمكاناتها وأعرافها بعضها ببعض آخر، ومن غفل عن ذلك لم يصلح بأمره ونهيه شيئاً، بل ربما زاد في المشكلة وأوجب تعقيداً مضافاً أو أدى إلى مفسدة أكبر.

٦ ــ تجنب طلب العدل بالجور، بأن يعلم المرء حدود هذه الفريضة، فلا يكره الآخرين فيما أنيطت مسؤولية تصرفاتهم بهم، ولا يتوسل لتحقيق العدل إلى الجور، ولا يبرر الوسيلة بالغاية.

٧ ــ الدعوة الصامتة، وذلك لان افضل وجوه هذه الفريضة وأكثرها تأثيراً هو الأداء الصامت من خلال العمل السليم والسلوك المعبّر والسيرة الحسنة ورسم القدوة الصالحة والأسوة المثلى، ورب آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر ذميم عند الله سبحانه بتركه للمعروف وإتيانه للمنكر.

٨ــ تحري الحكمة في كل ما تقدم مستعيناً عليه بالاطلاع على سنن الحياة والاعتبار بالأخطاء والأخذ بتجارب الآخرين، ومقارنة الآخر مع النفس فيما لو كان في نفس الموقف، وروح الإنصاف والالتفات إلى المعاذير وتزكية النفس عن الأهواء، وقد قال سبحانه: [وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا].

🔹وبعد فإن الإنسان المؤمن والمتقي لهو أحرص على أداء هذه الفريضة على وجهها، وأبعد في الذهاب بها إلى غير مذاهبها، وأكثر تحرياً في أسلوب أدائها وسلامة أدواتها، استنارةً منه بنور الفطرة
ويقظة الإيمان وبصائر الدين.

✍🏻: أية الله السيد محمد باقر السيستاني

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى