الاخبار

مأساة تهز الموصل.. مصرع صبي صعد برجاً كهربائياً لالتقاط صورة “فيسبوكية” بهاتفه الجديد

لم تكن والدته تتخيل أن هديتها لابنها البكر الذي لا يتجاوز الـ15 ربيعاً، ستدفعه لفعل متهور يفقده حياته بأبشع صورة، بدلاً من أن تسعد قلب ذلك الغلام اليتيم، ففي 20 كانون الثاني الجاري، اعتلى مصطفى مهدي صالح مع صديقه برجاً كهربائياً عالي الضغط في تل الرمان بالجانب الأيمن من الموصل، وهو يفكر في أول تجربة إخراجية بهاتفه الجديد لالتقاط صورة له وهو يحمل كوبه من أعلى البرج لكي ينشرها على حسابه في موقع الفيسبوك أملاً في شهرة بين أبناء جيله، لقد اشتهر فعلاً وعلى نطاق أوسع مما اعتقد لكن هذا تم بفاجعة حادث احتراقه مصعوقاً ومفارقته الحياة اليوم السبت، بعد أيام من رقوده في المستشفى.

عصر الأربعاء الماضي، كان “مصطفى” وهو صبي يتيم الأب من عائلة فقيرة في تل الرمان، يلهو بهاتفه حينما قرر مع صديقه الصعود إلى برج كهرباء ذي ضغط عالٍ لالتقاط صورة، لكن قوة التيار أحرقت ساقيه وحتى أعلى البطن، حتى قبل أن يتمكن من كبس زر الالتقاط، لينقل إلى المستشفى وهو بحالة صحية حرجة.

مصطفى في السيارة لنقله إلى المستشفى – الصورة مرسلة لرووداو من رضوان كاكل إسماعيل

المنتسب في الشرطة المحلية، رضوان كاكل إسماعيل يقول لشبكة رووداو الإعلامية إنه أول من وصل لإسعاف مصطفى بعدما سمع صوتاً صاعقاً، مبيناً: “ظننتُ أن انفجاراً حصل في البرج، قبل أن أرى الصبي والنيران تلف جسده ويصرخ: (الله أكبر.. الله أكبر) من هول الألم، لقد ركضنا إليه ووفرنا سيارة لنقله إلى المستشفى”، مشيراً إلى أن صديق الشاب المحترق، أخبره بأن الأخير حثّه على تسلق البرج من أجل مشاركته الصورة، لكنه عدل عن ذلك ونجا من الموت المحتم بمصير مشابه بعد أن رأى بأم عينيه ما حدث لمصطفى.

في المقابل، أحد أقارب الصبي، أوضح لرووداو أن ستة من أصدقاء مصطفى كانوا يقفون على مقربة من أسفل البرج ويتحدون قدرته على الصعود للأعلى، مضيفاً أن “هذا التحريض المستفز أجبره على تنفيذ ما ادعى عزمه على القيام به، ورغم ذلك أبى أن يشكو أصدقائه للشرطة في إفادته خلال وجوده في المستشفى”.

ويقول ليث الجواري لرووداو أن قريبه مصطفى يتيم ومن عائلة فقيرة وكان متفوقاً في المدرسة، وقد اشترت له والدته هاتفاً جديداً ليقوم هو بإنشاء حساب له على الفيسبوك قبل الحادث، لذا أراد أن يدشن عملية النشر بصورة له وهو يمسك فنجاناً من أعلى برج الكهرباء، ويتابع: “كان هنالك رهان بينه وبين أصدقائه الذين يُقدر عددهم بستة أشخاص من أقرانه وتحدوه بالصعود والتقاط الصورة، وهو ما حرضه على أن تسوقه قدماه صوب أجله”.

وعن ظروفه العائلية، يشير الجواري إلى أن مصطفى كان الأخ الأكبر لأربعة من أخوانه إضافة إلى أخت كبرى، وكان يساعد والدته في توفير لقمة العيش، “وقد اشترت له أمه إلى جانب الهاتف، ملابس جديدة لكنه رحل عن الحياة قبل أن يرتديها”.

وأرسل الجواري مقطع فيديو من دقيقتين، يوثق دقائق مرعبة لمصطفى وهو يصعق ويحترق ويصرخ بأعلى صوته مكرراً: “الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله”.

صفحات محلية نشرت عن الحادث قبل أيام حينما كان مصطفى في المستشفى، وقد تنوعت التعليقات بين من كان يتمنى له الشفاء وآخر يتهكم على المنطق الذي دفعه للمخاطرة بصعود برج كهربائي عالي الضغط وثالث ألقى اللوم على السلطات المعنية بالطاقة الكهربائية.

شبكة رووداو الإعلامية تواصلت مع مصدر رفيع في قسم الخطوط بالشركة العامة لنقل الطاقة الكهربائية الشمالية، فضَّل عدم نشر اسمه كونه غير مخول بالتصريح للإعلام، وقال إن الحادث أدى إلى قطع التيار الكهربائي لمدة ساعتين وتضرر خط المنصور ومحولتي 1 و2 في محطة اليرموك وخط قرة قوش في شرق الموصل وإطفاء خط حمام العليل – تلعفر من مركز السيطرة الشمالي، قبل إصلاح الخلل.

وأشار إلى أن إجراء الكشف على خط منصور الغازية – يرموك جهد 132 ك ف، في منطقة المأمون أظهر وبحسب إفادات أهالي المنطقة بأن شخصاً ذا 15 عاماً صعق بالكهرباء بسبب صعوده إلى جنح البرج السفلي ونزوله إلى العازل المطاطي دون وجود أي عارض على الخط..

ورداً على من حمّل الكهرباء مسؤولية السماح بتسلق البرج، لفت إلى أن البرج كان محاطاً بالأسلاك الشائكة لمنع الحيوانات من الوصول للبرج “لكن يبدو أن الصبي تجاوزها، وبهذا تنتفي مسؤوليتنا”، ذاكراً أن التوعية هو السبيل الوحيد لتجنب تكرار ما حدث.

ويبلغ معدل نقل طاقة البرج الذي كانت نهاية حياة مصطفى فيه، 200 ميغاواط، فيما تصل شدة التيار الكهربائي فيه إلى نحو ألف أمبير.

ولعل من المفارقة التي تحمل على السخرية والأسى أن تقطف صعقة كهربائية قاتلة زهرة عمر مصطفى من بستان الحياة في لحظة غدرت به وحولت فرحته إلى فاجعة، في حين أن العراقيين يئنون منذ عقود بسبب أزمة انقطاع التيار الكهربائي صيفاً وشتاءً وقد وصل الأمر إلى مصرع مواطنين جراء الحرارة الشديدة في ذروة الصيف وهو ما يحصل مراراً وخاصة في جنوب العراق.

مصطفى يصارع الموت

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى