المقالات

مقاربة بين احتلال العراق والاحداث في اوكرانيا

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم:أ. د عبدالرزاق الدليمي

أثار حفيظة العراقيين وكل الشرفاء من العرب والاجانب ما صرح به كبير القتلة والمجرمين في العالم جورج دبليو بوش مايحدث بين روسيا واوكرانيا(بالبلطجة ودعى الى حل الامور بالتفاهم والسلام) ويبدو ان ذاكرة هذا الذي وصفته امه بالغبي تناسى مافعله احتلاله للعراق وبطريقة همجية وبذرائع واهية وخدع دعائية لم يصدقها الا هو ومن هم على شاكلته من عتاة المجرمين.

امريكا شريكة اساسية فيما يحدث

الادارة الامريكية هي من شجعت الرئيس بوتين على ماقام به ،ولو كانت تريد الخير لاوكرانيا وللعالم لما دفعت الرئيس الاوكراني الى التعنت ووعدته بأنها ستقف معه هي وكل حلف الناتو في تزمته وعدم تفاعله الايجابي مع مقترحات الجارة روسيا ،وهذا نفس مافعلته في الخلاف العراقي الكويتي 1990 عندما شجعت ودفعت حكام الكويت الى التعنت ثم حصل الذي حصل وكانت النتائج كارثية على العراق والكويت والمنطقة، مع ملاحظة ان روسيا تعتقد جازمة ان (المغريات الكلامية) التي اطربت الحكومات الاوكرانية من قبل الادارات الامريكية بقبول اوكرانيا عضوا بحلف الناتو وانعكاس ذلك على السلوك غير المتوازن للرئيس الاخير في كييف المناهض للتوجهات الروسية والمهددة للامن القومي الروسي، حيث ترى روسيا ان اقتراب حلف الناتو من حدودها يعتبر تهديد غير ممكن السكوت عنه وهنا اشير الى ماقاله الرئيس فلادمير بوتين (هل تسمح الولايات المتحدة الامريكية بنشر صواريخ روسية على حدودها؟) كما ذكر بوتين حكام امريكا وحلفائها بأنهم حللوا لانفسهم احتلال الدول وتدميرها وقتل اهلها رغم انها بعيدة جدا عن امريكا كالعراق وافغانستان ، وكأنه يقول لهم كيف تحللون لانفسكم ماتريدون ارتكابه من جرائم بحق الانسانية ،وتنتقدون غيركم رغم وجاهة مبرراته، علما ان اوكرانيا وفي اطار انسياقها مع التوجهات الامبريالية الامريكية والبريطانية ساهمت بأحتلال العراق وكان مقر قواتها في الكوت.

العراق وما يجري في اوكرانيا

أما عن مبررات احتلال العراق فقد كذبت ادارة  بوش وكذبت معه جميع المؤسسات الدعائية حتى تلك التي كان كثيرين يعتقدون انها تتمتع بالمصداقية، بما فيها صحيفة نيويورك تايمز والوشنطن بوست ، على الجمهور بشأن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل المفترضة، وهو ما ساعد على الدفع بجزء من الرأي العام نحو تأييد العدوان واحتلال العراق،ولن تكون تلك هي المرة الأولى التي يكذبون بها، ولن تكون الأخيرة ،فمسلسل الاكاذيب الامريكية مستمر ولن يتوقف.

ومن نتائج الاحتلال المريع للعراق، تشُرِّيد اكثر من خمسة ملايين عراقي من منازلهم، ولم يتوقف العدد عند هذا الحد، فقد شردت ملايين أخرى من العراقيين خارج العراق كما خلّفت الحرب وراءها اعداد كبيرة جدا من القتلى في صفوف الجنود الأمريكيين واضعافهم من الجرحى ناهيك عن عشرات الالاف من المعوقيين نفسيا، والتي تحاول وزارة الدفاع الأمريكية التعتيم على الاعداد الحقيقية لخسائرهم منذ 20/3/2003،للوهلة الأولى تبدو هذه مجرد أرقام، لكن مع نظرة ثانية يتبين حجم فداحة ما نتج عن العدوان والاحتلال الذي لم يكن له مبررات حقيقية.

وصلت كلفة احتلال العراق حسب التقديرات على دافعي الضرائب الأمريكيين حوالي اكثر من خمسة ترليون  دولار أمريكي،ومن المؤكد أن هذا الرقم في زيادةٍ، لأن الاحتلال والعمليات العسكرية مستمرة وستستمر ،

في الوقت نفسه، اقتطعت حكومة الولايات المتحدة مليارات الدولارات من برامج الرعاية الصحية، وأغلقت مدارس ومكتبات وعيادات صحة نفسية، بل واستقطعت من مخصصات برنامج توصيل الوجبات للمسنين بزعم عدم امتلاكها المال الكافي لذلك.

ترك الاحتلال الامريكي البريطاني الفارسي للعراق آثار كارثية كبيرة على البيئة، إذ إن استخدام اليورانيوم المنضب رفع من معدلات الإصابة بالسرطان وتشوهات المواليد. كما صارت شوارع العراق عبارة عن مجارير مفتوحة، ما تسبب في انتشار الأمراض، وذلك من جراء تدمير البنية التحتية للعراق، فضلًا عن أنّ المياه في اغلب مدن العراق لم تعد صالحة للشرب، عدا عن الانبعاثات الهائلة للغازات القاتلة بسبب العمليات العسكرية ؟، مع ملاحظة ان الغزاة الأمريكيون وعملائهم الذين جلبوهم معهم يتعاملون مع الشعب العراقي بوحشية ، وتعد حالات التعذيب التي شهدها سجن أبوغريب نموذج واحد من الأمثلة على هذه الوحشية، ولاتزال المنازل تُقتحم وتُنهب في منتصف الليل، وأبناء العائلات يُختطفون ويُؤخذون إلى أماكن غير معلومة، وسيارات الهمفي تدهس المشاة وتقتلهم كما لو كانت حياتهم لا تعني شيئًا.

السياسة الامريكية المعطوبة

السياسة الخارجية الأمريكية لا تفرق في الواقع بين الدول الا في معيارها الاساسي الذي تضعه وهو تقيمها هل هذا النظام صديق اي ذيل لها ام عدو لايرتهن لارادتها ،لذا فإن أكثر الحكومات المعادية لشعوبها حول العالم،  هي في خانة الأصدقاء، بل ويتلقون بانتظام دعمًا أساسيًا على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري.في حين، تُوصف بعض الحكومات التي لم ترهن ارادتها لامريكا او غيرها بـ”الأعداء”، ويجب اتخاذ مايلزم لانهائها بالانقلابات او بالاحتلال ،وثمة العديد من الأمثلة، ولكن في ظل تاريخ وحاضر السياسة الخارجية الأمريكية، لماذا ينبغي على أي شخص تصديق ممثلي حكومة الولايات المتحدة أو جيشها عندما يقولون إنهم يحاربون الحكام الديكتاتوريين وينشرون الديمقراطية؟! فالحكومة التي تدعمها الولايات المتحدة في الوقت الحالي داخل العراق كما تصفها وسائل الاعلام الغربية هي حكومة ثيوقراطية طائفية.

لقد تسبب احتلال العراق الى عدد من النتائج الرئيسية الخطيرة على العراق والمنطقة منها تقوية شوكة إيران ، وإثارة الفتن الطائفية التي لم تكن موجودة فعليًا قبل الاحتلال، وتتويج جهودها في نهاية المطاف بميلاد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، واستمرار إقحام الولايات المتحدة في حرب لا نهاية لها، في المقابل استطاعت الصين وروسيا أن تبنيا قوتهما الاقتصادية والعسكرية حول العالم، ما يعني أن حتى الأهداف الإمبريالية للولايات المتحدة فشلت بتحقيقها بأحتلالها للعراق.!

الموقف الامريكي مما يحدث

في البداية كانت استراتيجية بايدن تتمثل في التحذير من الغزو الوشيك لإظهار أنه على علم بما سيفعله بوتين، حتى وإن لم يستطع منعه ،وكانت النتيجة المباشرة هي بث الحيوية في أوصال التحالف العسكري الغربي الذي كان في وضع سيء في عهد سلفه دونالد ترامب الذي شكك في قيمة الحلف(يبدو ان ترامب ربما كان محقا بجدوى وجود هذا الحلف).

من المتوقع أن يكون لطريقة تعامل بايدن مع الأزمة، التي يخشى المسؤولون الغربيون تحولها إلى أكثر الصراعات دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، تداعيات شديدة على مصيره السياسي وعلاقات الولايات المتحدة مع العالم.

رغم ان بايدن تعهد كان قد تعهد برد حاسم من الولايات المتحدة وحلفائها على الهجوم الروسي ، الا ان واقع الحال يؤكد وجود تباين في الآراء في طريقة تعامله حتى الآن مع أكبر أزمة دولية يواجهها خلال رئاسته، علما ان تحركاته ستكون مكبلة دائما لأن إدارته أوضحت أنها ستفعل كل ما في وسعها لمساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها ولكنها لن ترسل قوات على الأرض ،ويعكس تفضيل بايدن للدبلوماسية والعقوبات ضعف رغبة الأمريكيين في التدخل بعد مستنقعي أفغانستان والعراق ،ويدرك الرئيس بوتين تماما أن بايدن لن يخوض حربا ضد قوة نووية أخرى لحماية دولة تشترك في حدود طويلة مع روسيا ولا يربطها اتفاق دفاعي مع واشنطن!

واضح ان بايدن يركز على التنسيق مع الحلفاء في حلف الناتو، خاصة أولئك الواقعين في الشرق الذين يشعرون بالقلق من تداعيات حشود روسية عسكرية بلغ قوامها 150 ألف جندي على حدود أوكرانيا،وتقود واشنطن الجهود لفرض مجموعة من العقوبات ضد بوتين وحكومته ، ومع ذلك، هناك تساءل عما إذا كان نشر بضعة آلاف من القوات الأمريكية الإضافية في ألمانيا وبولندا ورومانيا كافيا، لمواجهة خطورة مايحدث علما ان البعض يرى أن بايدن بوسعه فعل المزيد للحفاظ على خيار عسكري يعول عليه.

اراء حول الموقف الامريكي

قال إيان كيلي سفير الولايات المتحدة السابق في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وجورجيا “من أوجه القصور أن حزمة الردع التي وضعناها غير متكافئة إلى حد ما لأنها اقتصادية بالأساس بينما نواجه مشكلة عسكرية”.وأضاف كيلي أن بايدن كان بمقدوره السعي لتفعيل قوة الرد التابعة لحلف شمال الأطلسي وإرسالها إلى بولندا ودول البلطيق، مما يحمل رسالة مفادها “لقد حشدت القوات على حدودك، ونحن نحشد القوات على حدودنا، وسننسحب عندما تنسحب”.

كما نسب المحللين الفضل إلى بايدن في العمل مع الحلفاء للتحضير لعقوبات تهدف إلى شل الاقتصاد الروسي وضرب الدائرة المقربة من بوتين. فقد أقنع ألمانيا، التي لطالما اعتبرت الحلقة الضعيفة، بتجميد الموافقات على خط أنابيب الغاز نورد ستريم (وهو ماترمي اليه الولايات المتحدة كهدف اساسي من كل مايحدث) وقد تشمل الخطوات التالية محاولة قطع روابط روسيا بالنظام المالي العالمي ،ويعتقد بعض النواب الأمريكيين إنه كان من الأفضل فرض العقوبات على روسيا في وقت سابق، لكن مسؤولي إدارة بايدن أصروا على أن ذلك كان سيقلص تأثيرها الآن. وأقر المسؤولون الأمريكيون بأن العقوبات قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط مما يزيد من وطأة ارتفاع التضخم ،ويبدو أن العقوبات لم تدفع بوتين إلى التراجع.

كما أنهال الثناء على قرار بايدن رفع السرية عن المعلومات الاستخباراتية بشأن ما تردد أنها مؤامرات روسية لتلفيق ذرائع لغزو أوكرانيا، لكن الإدارة واجهت انتقادات لرفضها تقديم أدلة ملموسة.

اما الحكومات الغربية كعادتها اشادت بتمسك بايدن “بسياسة الباب المفتوح” لحلف شمال الأطلسي أمام الطامحين في عضويته،لكن بعض المنتقدين قالوا إن بايدن كان ينبغي أن يكون أكثر وضوحا بشأن ضعف احتمالات انضمام أوكرانيا للحلف، نظرا لأن أحد مطالب بوتين الرئيسية كان امتناع الحلف عن المزيد من التوسع نحو الشرق.

وقد يكون لرد بايدن أيضًا تداعيات على العلاقات الأمريكية الصينية(الصين المؤيدة لسياسات روسيا) فهناك قلق من أنه إذا بدا بايدن متساهلا للغاية مع موسكو، فقد تعتبره الصين إذعانا تتحرك بموجبه ضد تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي والتي تعتبرها بكين إقليما منشقا عنها ،وقد يمنح تحدي بوتين الجمهوريين الفرصة للتغلب على بايدن وزملائه الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر والتي ستحدد توازن القوى في واشنطن.

امريكا عدوة الديمقراطية

سبق وان اكدنا مرارا ان احتلال البلدان لايمكن ان يجلب الديمقراطية والحرية وهو امر لم يحدث أبدًا في التاريخ، وبكل تأكيد لم ولن يحدث في العراق، إن المغزى من مراجعة التاريخ هو محاولة جعل العالم مكانًا أفضل، وإن لم يكن هذا هو الهدف، فسيكون التعلم من الماضي خطوة لا فائدة منها، فالمجتمعات الانسانية تحتاج أن تتذكر كل ماهو مفيد لها لا ان تفعل ما تريده السلطات الحاكمة ، وعيب علينا ان ننخدع مرة أخرى.

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى