تحقيقات

المخدرات وتهديد كيان المجتمع.. ماهي الأبعاد الخطيرة التي شخّصتها المرجعية الدينية العليا؟

قبل عدّة عقود كان العراق لا يشكل أرضاً خصبة لتجارة المخدرات وتعاطيها والادمان عليها مع انه كان ممراً تجارياً على مستوى المنطقة، وقد يعود التحجيم الذي كان حاصلاً في مسألة المخدرات لأسباب عديدة منها غِنى الثقافة الاجتماعية للمجتمع العراقي، والروادع الاسرية والاخلاقية، والعقوبات القانونية الصارمة التي كانت مفعلة في عهد النظام الدكتاتوري السابق، وحلّت محلّها قوانين اقل ما يقال عنها غير رادعة وقابلة للتمييز وصولاً الى عقوبات بسيطة جداً، لا يخشاها ولا يعتبِر منها المتسببِين بانتشار هذه الآفة.

عدد من الباحثين بالشأن الأمني والاجتماعي والصحي يفيدون بأن هذه الظاهرة بدأت بالانتشار بصورة كبيرة، يصاحبها عدم الالتفات والتنبّه الى مدى خطورتها وعدم الاهتمام الكافي بمعالجتها، وخاصة ما يتعلق بالجانب القانوني من ضعف العقوبات الرادعة التي يمكن من خلال قوتها وفاعليتها الحد من جعل مجتمعنا مستهلكاً او محطة للاتجار بهذه السموم القاتلة..

لقد كانت العقوبات التي تستهدف المتاجرة بالمخدرات قاسية جداً ورادعة بشكل كبير قد يصل الى الإعدام، وبعد التغيير الذي شهدته البلاد عقب عام 2003م حددت العقوبة من خمس الى خمس عشرة سنة، وبالنسبة للتعاطي والادمان تم تفريغ هذه العقوبات من محتواها حتى وصلت الى حد المعالجة في المصحّات فقط، من دون عقوبات قانونية!

المرجعية الدينية العليا ركزت في إحدى خطب الجمعة على ضرورة الانتباه للأبعاد الخطيرة التي يمكن أن يشكلها نمو هذه الظاهرة السيئة، حيث بدأت افرازاتها على شكل انحلال واضح في بعض شرائح المجتمع وخاصة الشباب، وبروز ظاهرة الانتحار لتتصدر الواجهة عبر حالات عديدة تم تسجيلها مؤخراً في عدة محافظات.

وقد أوضحت توجيهات المرجعية العليا بان انتشار المخدرات يترك اثراً سلبياً ليس على المستوى الصحي فقط انما يمتد تأثيره المدمّر الى الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وصولاً الى اعاقة التنمية والتطور في البلاد بسبب استهداف هذه الظاهرة للشريحة الأهم ألا وهي شريحة الشباب، الذين يعوّل عليهم في المستقبل لأخذ زمام الامور نحو غد افضل..

تشخيص دقيق وأبعاد خطيرة

يتصدر التشخيص القاضي بعدم وجود الاهتمام الكافي من مؤسسات الدولة المعنية لمعالجة ظاهرة انتشار المخدرات، يتصدر أوُلى الاسباب التي تدفع بالاتجاه المعاكس لوقف تمدد هذه الظاهرة.

وبالرغم من وجود مؤسسات عديدة في الدولة معنية بمعالجة انتشار المخدرات، ولكن الملاحظ عدم وجود اهتمام ومعالجات واجراءات بما يكفي للحد منها،  ولهذا القصور أسباب عديدة أهمها انشغال الطبقة الحاكمة بالصراعات والتجاذبات السياسية والمصالح الخاصة عن القيام بالمهام الأخرى ومن جملتها هذه المهمة الخطيرة التي ينبغي أن تولي هذه الاجهزة اهتمامها بها..

وأكدت خطبة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 1 /3 /2019م بأن هذا الانتشار والترويج لهذه الآفة الخطيرة أخذ يهدد المجتمع وخصوصاً شريحة الشباب في حاضرهم ومستقبلهم، وحينما لا نجد اهتماماً كافيا ومعالجات ناجعة لهذه المسألة الخطيرة فإن نتائجها ستكون وخيمة ومدمرة في مختلف مجالات الحياة، فهذه الظاهرة ليست مخاطرها على الجانب الصحي فقط بل على الجانب العقلي والثقافي والفكري والصحي والاخلاقي والنفسي.

وحذّر الكربلائي بأنه إذا لم يكن هناك تنبّه واهتمام من الجهات المعنية بالمقدار الكافي للحد من ظاهرة انتشار المخدرات ومعالجتها فحينئذ تُنذر هذه الظاهرة الفتاكة بكارثة خطيرة على المجتمع العراقي في مختلف مجالات الحياة، خصوصاً اذا لاحظنا وتتبعنا انها تستهدف شريحة الشباب الذين هُم عماد الامّة وأمل الامة في مستقبلها الذي ينشدونه، لذلك حينما تستهدف هذه الظاهرة هذه الشريحة فإنها تُنذر بكارثة حقيقية بل تعد الآن أكثر المشاكل الاجتماعية خطورة لما لها من آثار في مختلف مجالات الحياة..

أسباب ازدياد ظاهرة المخدرات

واستعرضَ ممثل المرجعية الدينية العليا جملة من أسباب ازدياد هذه الظاهرة وطرق العلاج ومن هي المؤسسات المعنية بالاهتمام بمكافحة المخدرات، مبيّناً أن هذه الظاهرة لها بعدان خطيران هُما:

-البُعد الاول هو المتاجرة بالمخدرات، حينما نجد بعض ضعاف النفوس وهم كُثر في الوقت الحاضر يحاولون الحصول على الكسب السريع للمال الكثير من خلال الاتجار والترويج لهذه المخدرات بكل انواعها.

-البُعد الثاني يتعلق بالضحية، وهُم الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات.

وبهذه الحالة نحن نحتاج الى علاجَين يترافقان معاً عِلاج للإتجار والترويج وعلاج للتعاطي.

وذكر الشيخ الكربلائي بعض الاسباب التي أدت الى التوسع والانتشار الحاصل بهذا الشكل والذي يُنذر الآن بكارثة خطيرة موضحاً، ان السبب الاول هو ضعف الرادع القانوني، وهذا له سببان رئيسيان، الاول: عدم وجود كفاية في ردع القوانين والتشريعات التي شُرّعت لمكافحة هذه الظاهرة.

والثاني: عدم فاعلية الاجهزة التنفيذية المكلفة بالحد من هذه الظاهرة ومعالجتها لا لقصور في الرجال المتصَدّين لمعالجة هذه الظاهرة وانما لأسباب متعددة كما ذكر بعض المختصين في هذا الجانب منها عدم اعطاء الحرية الكافية والوسائل المناسبة والصلاحيات المناسبة للجهات التنفيذية لمعالجة هذه الظاهرة، يضاف الى ذلك قصور الاجهزة والوسائل التي تُعطي القوة والقدرة لهذه الاجهزة التنفيذية أن تكشف هذه المواد وتعالجها وتحاول ان تضع حداً لها منذ البداية.

وأكد ممثل المرجعية الدينية العليا في تلك الخطبة، ان تدخّل بعض الاطراف النافذة في صلاحيات وعمل الاجهزة التنفيذية هو من الاسباب المهمة الاخرى لانتشار هذه الظاهرة كما ذكر ذلك بعض المختصين والمعنيين، وبالمحصلة فإن هذه الامور تؤدي الى ضعف الرادع القانوني لمثل هذه الجرائم الخطيرة.

الأمر الآخر المهم هو السبب الاقتصادي والمتمثل بالفقر والبطالة، حيث يؤدي عند بعض الشباب الخريجين الذي اتعب نفسه وحصل على الشهادة الدراسية ولا يجد فرصة للعمل، يؤدي الى الشعور بمستقبل مجهول وأجواء اقتصادية ومعيشية ونفسية ضاغطة ربما تؤدي به الى القلق والكآبة والاحباط النفسي وبالنتيجة قد يلجأ الى تعاطي هذه الامور التي يشعر انها تبعده عن هذه الأجواء..

وتعد العوامل الاجتماعية من الامور المهمة، ونقصد بالعوامل الاجتماعية رفقاء السوء، فكثير من الشباب وربما الفتيات الذين يرافقون رفقاء السوء يوقعونهم في مثل هذه الامور، فضلا عن المشاكل الاجتماعية والاسرية التي يعيشها بعض الشباب داخل الاسرة والتي قد تؤدي بهم الى ان يحاولوا الهروب من هذه الاجواء الى اجواء اخرى يشعرون انهم ينعمُون فيها بالراحة والابتعاد عن الاجواء الضاغطة..

يضاف الى ما تقدّمَ الحرية المطلقة، حيث ان بعض الناس لم يفهم معنى الحرية ولذا نجد سوء استغلال واستعمال للأموال التي تتوفر لدى الكثير من الشباب والناس.. هذه الحرية المطلقة وتوَفر وسائل التنعم والترفّه والاموال الكثيرة تدفع البعض من الناس الى هذه الممارسة..

وأضاف الكربلائي بأن، قلّة الوعي الثقافي والصحي والتربوي هي من العوامل المهمة والحاسمة في ظاهرة انتشار المخدرات.. ولذا نحن نحتاج ابتداءً من الاسرة الى المدرسة والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التربوية ووسائل الاعلام والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي نحتاج ان تكون هناك حملة توعية تتناسب مع حجم انتشار وتوسع هذه الظاهرة.

وأشار ممثل المرجعية الدينية العليا الى عدم الاهتمام الكافي من مؤسسات الدولة المعنية لمعالجة هذه الظاهرة مع وجود مؤسسات كثيرة في الدولة معنية بمعالجتها، وأنَّ مردَّ ذلك الى اسباب عديدة منها هذا الانشغال لدى الطبقة الحاكمة بالصراعات والتجاذبات السياسية والمصالح الخاصة عن القيام بالمهام الاخرى ومن جملتها هذه المهمة الخطيرة.

مؤكداً، بأننا كُلنا معنيين بمعالجة هذه الظاهرة وكلٌ من موقعه عليه ان يؤدي الدور الذي ينبغي عليه أمام الله تعالى وأمام المجتمع، ولا ننسى مسؤولية الاسرة بالدرجة الاولى في مراقبة الأبناء وتوجيههم وتوعيتهم وإبعادهم عن رفقاء السوء.. وخاطب الآباء مصرّحاً، أن التفتوا ايها الآباء وايتها الامهات وراقبوا ابنائكم وبناتكم مَن يرافقون ومَن يصاحبون ومَن يعاشرون وهذه من المسؤوليات الاساسية للأسرة، واعملوا على إبعادهم عن رفقاء السوء والاجواء المساعِدة للوقوع في فخ هذه الظاهرة الخطيرة والحرص على تربية الاولاد على الانشغال بالتعليم والنشاطات المفيدة، وتوفير اجواء الثقة والاحترام للأولاد والتواصل معهم وبناء علاقة حميمة وصداقة معهم..

وعلى هذا الاساس ينبغي ان تكون الاجواء التربوية في داخل البيت مبنيّة على الاحترام وعلى التقدير لهؤلاء الاولاد البنات، بحيث ننفتح عليهم ونعطيهم الثقة بالنفس ونسأل عن مشاكلهم وما يعانوه وما هي الحلول لهذه المشاكل بعيداً عن اجواء التسلّط والاساليب التي تؤدي الى بحث الاولاد عن علاقات خارج الاسرة تضرّهم وتأخذ بهم الى الهلاك..

ومن جهة ثانية هناك مسؤولية المدرسة والجامعة والمؤسسات التربوية في التحذير عن مخاطر هذه الظاهرة والاهتمام بترسيخ القيم والمبادئ الصالحة وإشعار الفرد والمجتمع بأن للاخلاق والمبادئ الحسنة دور مهم في الحياة كما للعلوم الأكاديمية دورها..

وختم الشيخ الكربلائي بالقول، النقطة الاخرى المهمة في طريق دعم معالجة ظاهرة المخدرات، تتعلق بدعم الاجهزة الامنية والمختصة (الصحية والتوعوية) لأداء دورها في معالجة هذه الظاهرة، وعدم التدخل في عملها وتطبيق القانون الخاص بمعالجة وردع الافراد المتاجرين بهذه المواد السامة والقاتلة، وتشريع القوانين التي تمكّنها من قوة الردع والمحاسبة مما يحدُّ منها بصورة كاملة.

صباح الطالقاني

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى