المقالات

لمدرسة الصدرية على مفترق طرق.

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم : عباس البخاتي

قد لا يختلف اثنان على ان منهج “المدرسة الصدرية” قد فرض نفسه كحالة واقعية, ضمن المسارات العامة لفكر الشيعة الإمامية, منذ أواسط القرن الماضي وليومنا هذا.

تميزت تلك المدرسة بالعمل على خلق الانموذج المختلف, عن الحالة المعتادة التي عرفت بها أزقة العلم والعوائل العلمية، حيث كان شعار الحركية والتغيير مرادفا للعديد من الأسماء اللامعة من الأسرة, حتى تولد لدى المراقبين إنطباع, بالخروج عن المألوف عند دراستهم لبعض جزئيات العمل الحركي لتلك المدرسة.

بالرغم من تعدد الأسماء التي تنتمي لتلك المدرسة نسبيا, وانتشارها في بعض البلدان الإسلامية, إلا ان حركة السيدين الشهيدين السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر في العراق, شكلت المصداق الواضح لمعالم النهج الصدري, وتعاطيه مع الظروف التي رافقت حركة كل منهما, تغمدهما الباري بواسع رحمته, والتي اتضحت جليا بتفاعل الجماهير العراقية بعد التغيير إيجابيا, مع المسميات السياسية التي ترفع شعارات الحركة الصدرية, وتتخذ من الأدبيات التي سار عليها الراحلان منهاجا للعمل السياسي, وينظم العلاقة مع بقية الشركاء في الساحة الوطنية والعقائدية والسياسية.

يتعلق الحديث عن واقع ما بعد التغيير, كونه المساحة الزمنية التي برزت خلالها معالم تلك المدرسة لواجهة الأحداث السياسية, التي أتاحت للمتصدين فرصة ممارسة العمل السياسي, والتعبير عن قناعاتهم, بعد عقود من التغييب والإقصاء والتنكيل, التي تعرض لها الشعب العراقي, والحوزة العلمية وعوائلها العلمائية, أسوة بباقي الفعاليات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية, المعبرة عن النسيج العراقي.

بغض النظر عن كثرة المسميات التي تنسب حالها لتلك المدرسة، الا ان تمثيلها الواقعي كان منحصرا بجناحين لا ثالث لهما, هما حزب الدعوة الذي نجح في تسويق متبنياته الفكرية كممثل لحركة السيد الشهيد محمد باقر الصدر, والتيار الصدري الذي أخذ على عاتقه إدامة الزخم العاطفي, الذي زرعه السيد الشهيد محمد صادق الصدر في نفوس اتباعه.

بعد تغيير المعادلة الظالمة التي حكمت البلاد لعقود من الزمن, كان العراق على موعد مع واقع جديد مبني على التخندق الطائفي والقومي، وبطببعة الحال فإن شيعة العراق أهم اقطاب هذا الواقع، لكن الاختلافات السياسية كانت حاضرة منذ أول ممارسة انتخابية شهدها العراق في عام 2005, فكانت المدرسة الصدرية بشقيها الدعوة والتيار, تمثل تقريبا نصف مقاعد الشيعة تحت قبة البرلمان, فيما تمثل بقية المسميات الشيعية النصف الآخر، لذا من الطبيعي أن يكون الانحياز مهيمنا على مشاعر الأعضاء, فحصل الاتفاق بين التيار الصدري وحزب الدعوة, على تمرير إختيار الدكتور إبراهيم الجعفري, ممثلا عن المدرسة الصدرية لقيادة العراق في حكومته الانتقالية.

بعد ذلك حصلت كثير من المتغيرات التي أثرت على مزاج الشركاء من السنة والأكراد, فضلا عن بعض ممثلي الائتلاف الشيعي, نتج عنها تنحي الجعفري ليحل بديلا عنه السيد المالكي, وبدعم التيار وتأييد مطلق من رجالات حزب الدعوة.

اليوم ونحن في نهاية العقد الثاني من عمر العملية السياسية, التي جاءت عقب الإطاحة بنظام البعث, وبعيدا عن السرد التاريخي للأحداث التي جرت خلال هذه السنوات, والذي بات معروفا للنخب ولعامة الناس، شهدت العلاقة بين التيار والدعوة أزمات, كادت أن تعرض السلم الأهلي إلى مخاطر جسيمة, والسبب يعود لتراكم المشاكل بين زعامة التيار ممثلة بالسيد مقتدى الصدر, وبين زعامة حزب الدعوة ممثلة بالسيد نوري المالكي, والذي على ما يبدو أنهما لم ينجحا وبشكل واضح, في عملية البناء الاستراتيجي للقيم الجهادية التي أرساها مؤسسو المدرسة الصدرية الراحلون..
خطأ كبير أخر وقع فيه الفريقان وعلى مستويات عالية, حين جعلوا الخلاف بعيدا عن المبادئ أو المنهج والطريقة في قيادة الدولة, وحصروها في خلاف شخصي بين زعيمي التيارين السياسيين, وصل حد الحديث والتهجم بشكل لا يناسب, وتهجمات متقابلة نقلت في تسريبات, ينفيها الطرفان رغم علم الجميع, أن هناك أحاديث وأراء أقسى مما سرب قد قيلت في جلساتهم الخاصة, بل ويتجرأ أتباعهما على التحدث بها ونشرها علنا!
واهم من يعتقد بأن تمثيل المدرسة الصدرية قد انحصر بالسيد مقتدى الصدر والسيد المالكي، لأن المنهج الرسالي الحركي الذي أريقت لأجله دماء الشهيدين وعشرات الشهداء من الإسلاميين, قد تبنى زراعة الوعي في أوساط الجماهير, وتوجيهها حسب ما يعتقدانه مطابقا لتعاليم لرسالة الإسلامية, وما كانت النزعة الفردية يوما ما حاضرة ضمن سلوكياتهم العملية، لذا يمكن القول أن المقابر الجماعية وزنازين السجون وطواميرها المظلمة, وأعواد المشانق وآهات الثكالى وأنين اليتامى وجموع الأرامل, التي كان لأتباعهما منها نصيب, كلها بمثابة مصداق شاخص للممثل الحقيقي لتلك المدرسة, التي حاولت السياسة بأدرانها الخبيثة أن تلوث عبق الشهادة التي أختطها العلماء, حين بذلوا دماءهم ثمنا لحرية الشعب..

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى