مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

انتهاك السيادة العراقية مسلسل متواصل

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم : د. ايناس عبد الهادي الربيعي

تعد سيادة الدولة النقطة الجوهرية في احد اهم المصطلحات القانونية في القانون الدولي العام والتي تمثل نقطة جوهرية في ارتباطها بمفهوم الدولة التي لا بد وان تمتلك نظاما قانونيا يتولى ادارة الدولة ويرتبط مع التنظيم في المجتمع الدولي الذي لا يتحقق الا مع خضوعها للقواعد القانونية الحاكمة لذلك التنظيم بوصفها احد مكوناته ، ولكون مفهوم السيادة ارتبط ارتباطا وثيقا بنشأة الدول الحديثة القائمة على انقاض النظام الاقطاعي في اوربا في القرن الخامس عشر والذي برز ابتداء كمفهوم سياسي والذي اكتسب ابعاده القانونية على يد المفكر الفرنسي (جان يوران)في كتابه (الجمهورية ) المنشور عام 1577 والذي حدد السيادة بكونها السلطة العليا التي يباشرها الحاكم على المواطنين الخاضعين للقانون بهدف اساس هو القضاء على النظام الاقطاعي ليصادف ذلك المفهوم قبولا بين فقهاء القانون خلال تلك المرحلة من مراحل تطور القانون الدولي لينتهي الامر بقبول بنظرية تقليدية تقتضي بوجود مظهرين للسيادة احدهما داخل يتمثل في يتجلى في حرية الدولة في فرض سلطانها على كل ما يوجد على اقليمها وتصريف شؤونها الداخلية وتنظيم حكومتها ومرافقها العامة، ومظهر خارجي يتمثل في حرية التعامل الدولي دون الخضوع لأية سلطة دولية مع وجوب احترام الدول لسيادة بعضها الاخر تتقيد بأحكام القانون الدولي ، على الرغم من كون تلك المفاهيم كانت السائدة خلال نشأة القانون الدولي خلال مراحله الاولى الا ان ذلك كان مصحوبا بنتائج عدة تمثلت في الاستقلال والمساواة بين الدول في نطاق العلاقات الدولية والتي شهدت تغيرا جذريا في الفكر الدولي الذي بات غبر مستعدا للإبقاء على المفهوم التقليدي للسيادة والذي يعترف بحق الدولة بشن الحروب على غيرها من الدول كلما ارتأت ذلك وبما يحقق مصالحها الخاصة حيث بات العالم مستعدا لتقييد حرية الدول في هذا النطاق ولا سيما بعد الحرب العالمية الاولى والثانية للحيلولة دون تكرار ما حدث خلالهما من كوارث ولا سيما بعد انشاء عصبة الامم ومنظمة الامم المتحدة ليبقى مفهوم السيادة احد اهم المبادئ التي تحكم المجتمع الدولي لكن بمعناها المقيد التي يقتضيها إعمال قواعد التنظيم الدولي القائم على مبدأ التعاون الدولي بقيود اهمها تحريم الاعتداء على سيادة الدول حفظا على السلم والامن الدوليين ، وهو ما نجد نقيضه على ارض الواقع بتكرر سلسلة الاعتداءات التركية على الاراضي العراقية وتعرض السيادة العراقية لأقسى امتحان سياسي عرفه تأريخ العراق السياسي المعاصر والذي نجد انه كان نتاجا لممارسات سلبية من الانظمة السابقة وطبيعة العلاقات الداخلية والخارجية والتي انتهت بهدر السيادة العراقية لتكرر الحكومة العراقية رسميا احتجاجاتها ضد ما يعد انتهاكات تركية مستمرة للسيادة العراقية، لكن الموقف العراقي يشوبه كثير من الغموض إذ لم تتخذ الحكومة العراقية أي إجراء فعلي ضد الوجود العسكري التركي في شمال  العراق مع  اصرار أنقرة من جانبها على أن عملياتها ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق تجري بالتنسيق مع بغداد الامر الذي يواجه بالنفي من الحكومة العراقية.

عمليات عسكرية تركية في شمال العراق لا تزال مستمرة منذ فترة ليست بالقصيرة باشتراك قوات برية وجوية ومدفعية تركية ، وبطبيعة الحال تعمد الحكومة العراقية الى  بيانات الإدانة للعملية حيث لا يبدو حتى الآن أن أنقرة مهتمة كثيرا برد الفعل العراقي، بل على النقيض من ذلك غالبا ما توجه شكرها لبغداد وأربيل زاعمة دعمهما لهذه العمليات لتخرج وزارة الخارجية العراقية  في تصريحات للمتحدث الرسمي بإسمها بكون الأعمال التركية عدائية أحادية الجانب مع تصريحات باستنكار الجانب العراقي لتلك العمليات التي غالبا ما تصفها بالاستفزازية احادية الجانب عبر تسليم مذكرة شديدة اللهجة للجانب التركي الذي غالبا ما يعلن شكره للجانب العراقي بما يصفه الدعم في المعركة التي تخوضها ضد الارهاب ، من جانب اخر تعمد وزارة الخارجية العراقية لنفي وجود تنسيق او اتفاق بين تركيا والحكومة العراقية  رغم ما يعلن من الجانب التركي بشكل متكرر بهذا الصدد بالإشارة لكونه ادعاء محض ، من جانب اخر تصرح حكومة إقليم كردستان بإن موقفها الرسمي ليس مع أي أعمال عسكرية خارجية على أراضي الإقليم مهما كانت المبررات لأن نتائجها وتداعياتها تقع على المدنيين من أبناء الإقليم في تصريح سابق وفقا لكفاح محمود مستشار رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني  والذي اكد ان سبب تواجد قوات حزب العمال الكردستاني هو تواجد قواعد ومراكز عسكرية تركية الامر الذي دفع  سكان أكثر من (800) قرية في الاقليم لهجر بيوتهم وحقولهم  مع تعرض المنطقة إلى الخراب والدمار مؤكدا رفض حكومة الإقليم لوجود حزب العمال الكردستاني التركي على أراضيها حيث تحمله مسؤولية الهجمات الواقعة على مناطق الاقليم ، الا انه ومما يجدر الاشارة اليه انه ومنذ العام الماضي شهد الاقليم هجمات لحزب العمال الكردستاني راح ضحيتها عدد من مقاتلي البيشمركة الكردية التابعين لإقليم كردستان.

اما عن الجانب لتركي فالحكومة التركية دائمة التصريح بكونها تمتلك حق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة ، كما تجدر الاشارة الى قيام تركيا بإنشاء( 37 ) قاعدة عسكرية ثابتة منتشرة على عمق أكثر من( 100) كيلومتر داخل الأراضي العراقية بدون التنسيق مع الحكومة العراقية، اذ يقتصر الامر على استنكارات خجولة لا تؤتي أوكلها ، في حين كان على الحكومة العراقية ان تعمد الى التنسيق الامني بين الجانبين ليكون من شأن ذلك كله ان يكفل مواجهة التحديات الامنية لكلا الطرفين على الشريط الحدودي بين البلدين لوقف العمليات العسكرية من الجانب التركي بدون التنسيق مع بغداد او اربيل .

وبالعودة الى الجانب التركي  نجد ان تركيا تعمد الى التذرع بوجود اتفاقية مبهمة مع النظام العراقي السابق عقدت في الثمانينيات تسمح لها بملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني إلى نحو (10) كيلومترات داخل الحدود العراقية مع الاشارة الى  إن القواعد التركية صغيرة الحجم كانت موجودة منذ ذلك الحين لحماية القوافل التجارية التركية المتجهة إلى بغداد، وأن هذا الوضع تم أعادة الاتفاق عليه عام 2007 خلال لقاء الرئيس التركي أردوغان برئيس الوزراء خلال تلك الفترة في بغداد ،بوضع سياسي هش والذي قد يصفه البعض بالانسداد السياسي لا يضيف التوغل التركي توترا إلى مناطق الشمال العراقي فحسب، بل إن وجود جنود أتراك داخل العراق يعقد الوضع الشائك أصلا بما يمنح تصورا بكون تلك التصرفات تدخلا في القرار السياسي والسيادي بما يمنح تصورا بفقدان هوية الدولة وهو ما يتأكد بتأخر الحكومة العراقية في تقديم مذكرة احتجاج رسمية الى مجلس الامن الدولي لإدانة الاعتداء التركي على مناطق شمال العراق منذ بدء تلك الاعتداءات تحت ذريعة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردا ضد الدولة التركية منذ العام 1984 أوقع عشرات آلاف القتلى الامر الذي يمثل الذريعة  للجيش التركي باستمرار عملياته العسكرية عبر الحدود بشن غارات جوية على شمال العراق يقول إنها مواقع لحزب العمال الكردستاني الذي أدرجته تركيا ودول أخرى على قائمة المنظمات الإرهابية منذ عقود المناطق الحدودية في شمال الاقليم كنقطة انطلاق لعملياته في إطار التمرد المستمر منذ عقود ضد الدولة التركية ، وليست عملية اليوم هي الاولى فقد عمدت تركيا في نيسان الماضي الى  اطلاق عملية عسكرية ضد مسلحين أكراد في منطقة متينا شمالي العراق شارك فيها نحو خمسة آلاف جندي مدعومين بمروحيات وطائرات مسيرة وقوات خاصة نفذت عمليات إنزال ، مع الاشارة الى انه سبق وأن طالب العراق تركيا بإنهاء أنشطتها العسكرية على أراضيه في حين تعمد أنقرة الى اتهام العراق بالتسامح مع وجود حزب العمال الكردستاني رافضة إنهاء هجماتها عبر الحدود، وهو ما يعيدنا الى نقطة البداية والتي تمثل انتهاكا لكافة المعايير الدولية والتي تنال من الالتزامات الدولية التي تقتضي ضرورة التعايش في مجتمع دولي منظم يسوده الامن والسلام ، فالتدخلات العسكرية عبر الحدود تحت ذريعة مكافحة الارهاب امر غير مقبول ويجب ان يتم عبر التعاون المشترك وعبر القنوات الرسمية للدولة

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى