المقالات

“التكنو بوليتيكس” ومستقبل الصراع العالمي

محمد المنشاوي - واشنطن باحث وكاتب متخصص في الشؤون الأميركية، ظهرت كتاباته في كبريات الصحف الأميركية مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز وفورين بوليسي وغيرهم. عمل المنشاوي في عدد من مراكز الأبحاث بواشنطن

يدفع التقدم التكنولوجي السريع لتغيير الخارطة الجيوستراتيجية للعالم بصورة سريعة لم تتضح طبيعتها بعد؛ لكن من المؤكد أن علاقة التكنولوجيا والسياسة والتفاعل والتأثير المتبادل بينهما يمثل أحد أهم محددات هذا العالم الجديد.

ويبشر العالم الجديد بتوازناته الجيوستراتيجية المتسارعة بتحولات اجتماعية وسياسية جذرية تغير صورة العالم وعلاقات التنافس فيه بطرق جديدة غير تقليدية وغير مفهومة، مع احتمال حدوث عواقب لا رجعة فيها على شكل التنظيم الدولي وعلى شرعية وطبيعة الدول القومية في الحكم.

 

ويتطور منذ فترة ليست طويلة مصطلح “تكنو بوليتيكس” (Techno Politics) ليشير إلى علم أو منهج أو موضوع يتناول الشأنين السياسي والتكنولوجي في صورته المتغيرة، من خلال الصراع بين القوى الكبرى من جانب، وبين صراع الإفطار والتطبيقات التكنولوجية وعلاقتها بحياة البشر وأسواق المال من جانب آخر.

 

يلتقي تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة آبل، مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بمعدلات تفوق لقاء الرئيس الصيني مع رؤساء وقادة أي دول في العالم.

 

ويتولى عمالقة التكنولوجيا أدوارا جيوسياسية قوية ومستقلة. في حين أن خلفية الأمن القومي عميقة في عروق بعض منصات التكنولوجيا في وادي السليكون، وينظر إلى الشركات الصينية على أنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحكومة، ومع ذلك، فإن معظم عمالقة التكنولوجيا يفضلون الظهور بمظهر الحياد السياسي والاستقلال.

أصبحت هذه الشركات جهة سياسية فاعلة عابرة للحدود، وتتفاوض بقوة وبطرق مباشرة مع دول العالم وخلف أبواب مغلقة. ولا نعرف على وجه الدقة حدود تعامل أو تنسيق كبرى شركات التكنولوجيا مع الجيوش والحكومات المحلية (الأميركية في الأغلب) أو الجهات المنافسة (الصين وغيرها).

أظهرت تجربتيْ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب بانتخابات 2016 كيف يمكن أن يؤثر التلاعب بالبيانات على الأنظمة الديمقراطية، بحيث تؤدي دول أجنبية دورا في نتيجة الانتخابات في دول أخرى.

في الوقت ذاته تنتج وتطور هذه الشركات تكنولوجيا قد تصبح قاتلة بسهولة حال توجيهها في هذا الاتجاه. وأصبحت الجيوش حول العالم تسعى للحصول والاستفادة من أحدث ما تتوصل إليه الشركات في مجالات معالجة البيانات الضخمة، والأمن السيبراني والروبوتات والتضليل وطرق المراقبة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي لخدمة مصالحها الإستراتيجية، وتحولت الكثير من مجالات التكنولوجيا لأدوات تستغلها وتوظفها أجهزة الاستخبارات حول العالم.

وأظهرت تجربتيْ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب بانتخابات 2016 كيف يمكن أن يؤثر التلاعب بالبيانات على الأنظمة الديمقراطية، بحيث تؤدي دول أجنبية دورا في نتيجة الانتخابات في دول أخرى.

وتاريخيا كان هناك قدر من الفصل بين المجالين السياسي والتجاري والتكنولوجي، ولكل منهما مصدر شرعيته الخاص؛ شرعية السياسي جاءت من قبول المحكومين والالتزام بسيادة القانون والدستور، ونبعت شرعية التجاري من تحقيق المكاسب المالية، وتعظيم الربح، وتنبع شرعية التكنولوجي من الاختراع والإبداع والبحث عن الجديد.

اعلان

والجديد أن التباعد بين السياسي والتكنولوجي يتلاشى مع مرور كل يوم، فقد ظهرت شركات التكنولوجيا وتضخمت خلال العقدين الأخيرين بصورة لم يتخيلها أحد ولا مؤسسوها.

في نهاية العام الجاري تصل قيمة شركة “آبل” (Apple) إلى تريليوني دولار، وشركة “أمازون” (Amazon) إلى 1.6 تريليون دولار، ومثلها وبالقيمة نفسها شركة “مايكروسوفت” (Microsoft)، ووصلت قيمة شركة “غوغل” (Google) إلى 1.1 تريليون دولار في حين وصلت قيمة “فيسبوك” (Facebook‎‏) إلى 800 مليار دولار فقط، كما تتجاوز عائدات شركة غوغل السنوية دخل أكثر من نصف دول العالم. مع نهاية هذه العام يبلغ عدد مشتركي فيسبوك 2.7 مليار شخص حول العالم؛ أي أكثر من سكان أي دولة.

وسبب ذلك معضلات كبيرة لقادة ومديري هذه الشركات تتخطى التحديات المتعلقة بالتكنولوجيا والابتكار والأرباح، فهم ليسوا بزعماء منتخبين، وقد يجهلون السياسة أو يمقتونها؛ إلا أنه لم يعد بوسعهم تجنبها.

ومن ثم أصبحت شركات التكنولوجيا الأميركية وغير الأميركية لاعبا كبيرا في واشنطن، ووفقا لبيانات وزارة العدل الأميركية، فقد أنفقت شركة فيسبوك على شركات اللوبي هذا العام 15 مليون دولار، وأنفقت أمازون 14 مليون دولار (أكثر مما تنفقه الكثير من الدول على لوبياتها). إضافة لذلك أسست كبرى شركات التكنولوجيا مكاتب لها في واشنطن، ووظفت الكثير من المسؤولين السابقين للعمل في إدارة العلاقات الحكومية.

لقد اقتحمت التكنولوجيا حياة كل شخص على كوكب الأرض بصورة أو أخرى، وهي بطبيعتها تتحايل على الحدود الوطنية وتطالب باستجابة عالمية. حيث إن عالمنا اليوم يتسم بدرجة عالية من العولمة والدينامية، ففي كل دقيقة، تتدفق كميات هائلة من المال والبيانات والسلع والأشخاص والأفكار عبر الحدود. وهذه الاتجاهات لا تؤدي إلى زعزعة الاستقرار فحسب؛ بل إنها تخلق أيضا هياكل جديدة للسلطة والحكم.

التصورات القديمة حول رؤية النظام للعالم سواء تلك التي أطلقها هنري كيسنجر أو صمويل هنتغتون لم تعد صالحة لعالم اليوم. والتصورات الغاضبة من اليسار كما يعبر عنها فكر نعوم تشومسكي، أو من اليمين كما عبر عنها فكر ستيف بانون، لم تعد تستجيب لتحديات العصر. النظام العالمي القديم يترنح أمام نظام عالمي جديد لا تحكمه إلا سرعة الابتكار التكنولوجي والتواصل، وربما السيطرة والإخضاع؛ لكن في صورة مبتكرة يتم الترحيب بها طوعا من مليارات البشر حول العالم.

 

ويؤدي كل ما سبق لزيادة الأسئلة حول نتائج تعامل الحكومات مع شركات التكنولوجيا والآثار المترتبة على حياة البشر في عالم ما بعد كوفيد-19، وأسئلة تتعلق بحدود وقيود التطورات التكنولوجية، ومستقبل الدول القومية والحريات ومنظومة الحكم، وكيف يمكن ضبط ممارسات شركات التكنولوجيا الكبرى من خلال قواعد التنظيم والقوانيين الدولية؟.

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى