المقالات

الشباب العراقي بين توك توك وتيك توك

أطلقت شركة “بايت دانس” الصينية خدمة مشاركة الفيديو في شبكة اجتماعية اسمتها تيك توك (TIK TOK) وهو تطبيق يعتبر وريث لسابقه ميوزكلي سنة 2016، ليجتاح التطبيق الصيني العالم ويتحول الى مكب لنفايات الشعوب ومرآة تعكس مدى الانحدار الذي يجتاح العالم على مستويات عدة أبرزها فقر الابداع وغنى التفاهة. في الجانب الآخر انتشرت وبصورة سريعة عربة ثلاثية العجلات تعرف بـ”التوك توك”، في عدد قليل من البلدان العربية أبرزها العراق لتخلف جيلا من المتمردين على كل شيء، وينعكس هذا التمرد والانحلال على وسائل التواصل الاجتماعي وأبرزها الـ”التيك توك”، الذي يجمع بأغلبه مراهقين.
وفي السنتين الأخيرتين تحولت شوارع عدد من المدن العراقية الى مسرح لفوضى الـ”توك توك” وبالأخص في المناطق المكتظة والشعبية بالعاصمة بغداد وكذلك محافظة كربلاء المقدسة التي يؤمها الملايين سنوياً وتعتبر من المدن المزدحمة طوال العام، ففي كربلاء سادت العربة الهندية شوارع المدينة المختنقة أصلا وارتفعت أصوات المسجلات ومزامير المنبهات من العجلات التي يقودها في الغالب أطفال أو مراهقين لا يعرفون قانون السير ولا حدود الذوق في الشارع!
لدراسة حركة الشعوب ونمط التفكير تحولت وسائل التواصل الاجتماعي الى مجس يمكن من خلالها الخروج بنتائج تكفي للحصول على نتائج للمستقصي تساعده بفهم طبية التفكير خصوصاً لدى الشرائح المسحوقة والبعيدة عن الضوء الاعلامي ويسودها الفقر والأمية والجهل. فزيارة سريعة للحسابات العراقية في تطبيق تيك توك تعادل بحث ميداني اجتماعي، اذ يقدم لك المراهقين في التطبيق خلاصة واقعهم بألفاظ وأفعال بعيدة عن الواقع الاجتماعي العراقي الذي يمتاز بالتحفظ في كل شيء، فكلا الجنسين تجدهما يعرضون واقعهم بكل تفاصيله بدقيقة أو أقل وأمسى بحق العالم المظلم والسر المعلن لرواد التواصل الاجتماعي في العراق.
وفي جانب الـ(توك توك) لا يختلف الحال كثيراً، ورغم أني لست من داعميها ولا استقلها بأي حال من الأحوال، ولكن لمقتضيات هذا المقال تعمدت استئجار عربة (توك توك) والتي يقودها طفل عمره (13) سنة يسكن في عشوائيات التجاوز بكربلاء المقدسة، يقود هذا الطفل عربته في شوارع المدينة المزدحمة بطريقة جنونية في الوقت الذي يعلو فيه صوت الراديو فوق أي صوت ويطلق المزامير بكل اتجاه لشيء أو لا شيء، الغريب أن أخاه الأصغر يقود عربة أخرى ويتبعه ويقلده بل يفوقه بكل الحركات! هنا نتساءل عن حياة قانون المرور الذي يبدو أنه يحتضر أو مات بحادث سير (توك توك) أو دراجة نارية مسرعة يقودها طفل!
تنتشر عربة التوك توك في البلدان النامية وبعدد قليل منها، ففي العالم العربي يقتصر وجودها في العراق ومصر -بعد سقوط حكومة مبارك- والسودان -بعد الانقلاب على حكومة عمر البشير-، كما توجد في البلدان الآسيوية الفقيرة مثل: بنغلاديش، الهند، إندونيسيا، باكستان، الفلبين، سريلانكا، تايلاند، فيتنام، وفي أمريكا الجنوبية بكوبا، السلفادور، غواتيمالا، وبيرو، وفي افريقيا فقط في اثيوبيا، وتشترك معظم هذه الدول بالفقر أو غياب القانون او الكثافة السكانية، ولكن أغلبها تمنع سير العربة في الشوارع العامة -عدا العراق-، ولو انتقلنا للتطبيق الالكتروني “تيك توك” نجد أن معظم رواده من هذه الدول أيضا، وكذلك تشترك في الجرائم التي تقترف عن طريق التوك توك فالخطف والاغتصاب والبلطجة وعدم احترام القانون صفة غالبة في مجتمع الدراجة الثلاثية، كما نجد في التطبيق الصيني الفوضى هي الحاكمة حتى وصل بالهند مثلا الى حظره بسبب ما ينشر فيه من مقاطع تسجيلية منافيه حتى للمجتمع الهندوسي فكيف بالعراقي؟ في كربلاء وبشهر واحد حدثت ثلاثة حوادث خطف لنساء عن طريق عربات توك توك وفي مركز المدينة، هذا بالإضافة الى المساوئ غير المنظورة مثل المخدرات والتحرش وغيرها الكثير.
الجميع يعلم أن أي مساحة من الأرض تتحول الى بقعة من بقع السافانا الافريقية التي تسود بها المفترسات، والعراق تحول أو كاد الى واحدة من هذه الغابات، فالواقع الاجتماعي ينحدر في منحدر مؤلم، فالعربة التي ينبغي أن لا تدخل البلد تحولت الى أيقونة للفوضى والتخريب واغلاق المدارس والجامعات، ورغم ذلك ما تزال سيدة الشارع وقانون مكافحة الجرائم المعلوماتية يخضع الى المساومات النيابية والرؤى المختلفة للنقابات والجهات ذات الصلة ليبقى الحال في وسائل التواصل الاجتماعي فوضوي كأي شارع تملئه التوك توك، فمتى يستقيم الحال ونتخلص من العربة الهندية والبرنامج الصيني؟ وهنا يأتي دور وزارة الاتصالات العراقية وهيئة الاعلام والاتصالات في السيطرة على انفلات التواصل الاجتماعي، كما أن وزارة الداخلية مطالبة بتطبيق قانون المرور بعيدا عن المزايدات الانتخابية للمسؤولين الذين يغضون الطرف عن فوضى الدرجات النارية استيرادا وسيرا ومخالفة خوفا من فقدان صوت المواطن الانتخابي.

 

الكاتب خالد الثرواني

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى