مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

الخامس هو الاخطر.. نيران اجيال الحروب تلتهم المستقبل

تطورت الاجيال عبر التاريخ، بين حقب مختلفة، متقاربة ومتباعدة، وتطورت معها اساليب الحرب، حتى اطلق عليها اجيال الحروب. تنطلق التسمية –الاجيال- قياسا باستحداث تكتيكات واستراتيجيات جديدة نقلت المعارك والصراعات من مواجهات مباشرة الى نزاعات غير مباشرة ونزاعات بالانابة،جاء ذلك خلال دخول تغييرات نوعية تقنية على آلة الحرب من جهة عسكرية وعلى الية المحارب (الاحتراب) من جهة تكنوسياسية.

برزت ابان هذه الفترات قفزات نوعية في الصدام سُمِّيت باجيال الحروب، حيث يطلق تسمية الاجيال الاربعة للحروب الخبير العسكري الاميركي”كولونيل وليم اس. ليند” هذا الاصطلاح متبنيا الامر وفق نظرية عسكرية، معتمدا على نمط مغاير من الحروب تنوعت وتماشت مع دخول آلة الحرب في عولمة الصناعة، لتستثمر السياسات تلك التغييرات التقنية في رسم معالم حديدة للحروب. المعارك العسكرية تطورت خمس مرات في 370 سنة.. والجيل الأول استمر 250 سنة

الاجيال الاربعة للحروب

اولا\حرب الجيل الاول:

هي حروب الحقبة من 1648 حتى 1860، أي أنها أجيال الحروب بدأت في التطور منذ ما يقرب من 370 سنة فقط، والتي كانت تُدار بين جيوش نظامية بتكتيكات “الخطوط والصفوف”، على أرض قتال محددة بين جيشين يمثلان دولتين في مواجهة مباشرة، العسكريين فيها مميزين عن المدنيين في كل الأمور، سواء في الزى أو التحية أو التدرج الدقيق في الوظائف والرتب، وبما يعزز ثقافة “النظام”.

وتتسم القوات بحروب هذا الجيل بالطابع الصارم، والزى والسلوك العسكري الواضح، و”الطاعة” فيه مقدمة على “المبادأة”، وقد ظهر في الحرب الأهلية الأمريكية، وكذا الإنجليزية، والحرب الأنجلوميكسيكية، وخلال حملات نابليون العسكرية وحرب المكسيك.

إلا أنه ومع منتصف القرن التاسع عشر بدأت ساحة تلك المعارك في الانهيار، الجيوش الجماهيرية، فطبيعة القتال تغيرت مع تطور الأسلحة، حيث تأثرت المنظومة المنضبطة بساحة القتال، والتي تميز حروب الجيل الأول، فتطور سائل النيران وزيادة حجم تدميرها حول ساحة القتال لميدان من الفوضى يصعب فرض النظام في أنحائه، والذي جعل الاستمرار في القتال بالتشكيلات الخطية وتكتيكات الصفوف والخطوط أحد صور الانتحار.

ثانياً\ حرب الجيل الثاني:

عالجت مشكلة الجيل الأول، والتي وضعها الجيش الفرنسي خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال القوة الشاملة للنيران معظمها من المدفعية غير المباشرة، ومن ضمنها مدفعية الدبابات، ولخصت فرنسا عقيدتها القتالية في هذا الجيل في أن “نيران المدفعية تقهر العدو.. والمشاة تحتل الأرض”، تنفذ من خلال خطط مُفصلة، يتم إستخدام النيران بشكل مركزي متزامن، يُسيطر عليه بعناية فائقة متزامنة مع قوة النيران التي يتم التحكم فيها مركزيا بعناية، وذلك باستخدام خطط وأوامر مفصلة، للمشاة والدبابات والمدفعية، في معركة القائد فيها هو مايسترو الأوركسترا.

وقد أعتبر الجنود بشكل عام والضباط بشكل خاص أن حرب الجيل الثاني قد جاءت كنجدة عظيمة لهم، لأنها حافظت على ثقافة “النظام” في ميدان القتال، حيث ركزت في الداخل على القواعد والضوابط والعمليات والإجراءات، فـ”الطاعة” في الجيل الثاني أيضاً مُقدمة على “المبادأة” لتجنب التعرض للخطر خاصة مع منظومة النيران المتزامنة، أما الانضباط فكان جبرياً يأتي “فرضاً” من أعلى إلى أسفل وليس “ذاتياً”، وفي هذا الجيل حلت نيران القوات الجوية محل نيران المدفعية لقوة تدميرها ومساحات تأثيرها.

ثالثاً\ حرب الجيل الثالث:

جاءت نتيجة لعيوب الحرب العالمية الثانية، وكان أول من انتهجها محدثاً هذا التطوير الجيش الألماني فيما أسموه بـ”حرب المناورة”، ويستند على السرعة والمفاجأة والتشتيت الذهني للعدو، وتشتيت قواته بحرمانه من السيطرة عليها أثناء القتال، ومن الناحية التكتيكية، تسعى القوات في الهجوم للوصول الي عمق العدو، والعمل على انهيار أنساقه التالية واحتياطياته، بهدف الالتفاف حول العدو لسرعة انهيار أنساقه، أما في الدفاع، فإن القوات المدافعة تسعى دائماً لحصار العدو ثم تجزئته، ولا مجال للمنافسة التقليدية على الخطوط المنتظمة في حروب الجيل الثالث، فهي حرب ليست خطية بالشكل الذي كانت تقاتل به القوات في حروب الجيل الأول.

“المبادأة” تُقدم فيها على “الطاعة” وهو عكس ما قبلها، حيث يمكن التسامح مع الأخطاء، طالما أنها نتيجة للمبادأة الإيجابية، في إطار الاعتماد على الانضباط “الذاتي”، وليس “فرض” الانضباط، وقد وضحت حروب الجيل الثالث في حروب الخليج وحرب أكتوبر وغيرها.

رابعاً\ حروب الجيل الرابع:

والتي أطلق مصطلحها “GW 4” لأول مرة عام 1989، عُرفت بالنزاع في منطقة غير واضحة المعالم بين دائرتي الحرب والعمل السياسي، ويشغل هذه المنطقة مقاتلون أو سياسيون، وتُعرف أيضاً بأنها عنصر العنف غير الحكومي “VNSA”، أو ما يمكن تسميته بـ”A Violent Non-State Actor”، والذي يحارب دولة أخرى بأسلحته الخاصة، وقد صيغت من خلال نفس المفهموم على أنها “الحرب اللا متماثلة – Asymmetric War” أي الصراع الذي يتميز بعدم تكافؤ التسلح ولامركزية الإجراءات، وقد طُور الجيل الرابع إلى “GW 4.6″، لتُستخدم فيه وسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمعارضة السياسية والعمليات الأستخباراتية.

يتميز أسلوب الجيل الرابع من الحروب بالآتي:

قد يتميز بالعنف الجسدي كما في حالات الإرهاب، وقد يتميز أيضاً بقوة العنف الذهني كما فعل “غاندي” و”مارتن لوثر كينج”، فكانا يصران على تخفيض كافة مستويات العنف التي يقابلونها دون أدنى مستويات العنف الجسدي، ومن ثم قد يدار أيضاً بواسطة من مثلهم من المعارضين في دولهم، سواء ضد استعمار عسكري أو أيديولوجي أو فكري، كما تتميز بأنها تتضمن صراعات معقدة وطويلة الأجل، قد تعمل بتكتيكات الإرهاب، تستند على قاعدة غير وطنية، أو عبر الأوطان، فهي تدار بشكل شديد اللامركزية، تشن هجوماً مباشراً على ثقافة أيديولوجية العدو، كما تقوم أيضاً بأعمال إبادة جماعية ضد المدنيين.

عدم وجود التسلسل الهرمي بها أكثر ما يميز حروب الجيل الرابع، ربما لصغر حجمها، ولذا فهي تعتمد على أساليب التمرد وحروب العصابات، ويظهر فيها نوع من العمليات النفسية المتطورة للغاية، وخاصة من خلال التلاعب بوسائل الإعلام، فهي تستخدم جميع الضغوط المتاحة سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، وأفضل بيئة لها هي فترة ما يُعرف بـ”الصراعات خفيفة الحدة” والتي تنشب بين الجماعات المسلحة والجيش الحكومي، العنصر الأكثر تعقيداً في التعامل معه في تلك الحروب هم السياسيون غير المسلحين والذين ينتهجون أسلوب العنف الذهني.

مركز الابحاث العسكرية

اللواء. سيد غنيم

الجيل الخامس للحروب

أن هناك جهوداً أكاديمية ونظرية مستمرة تصبو إلى تقديم نظرية متكاملة حول هذا الجيل والذي يحمل شعاراً أساسياً هو “التفجير من الداخل”، باعتباره الوسيلة الأمثل لهزيمة الخصوم، وهي ليست قاصرة على الدول، بل صارت تمتد إلى المجتمعات، من دون تحمّل تكلفة كبيرة، على نحو يحقق نبوءة صن تزو، الجنرال الصيني والخبير العسكري، في كتابه “فن الحرب” ومفادها “أن تخضع العدو دون قتال هو ذروة المهارة”.

ويحدد هذا الجيل-الجيل الخامس- سبل وأساليب مواجهة حروب الجيل الخامس التي تتنوع ما بين التدابير الأمنية أو بناء شراكات وتحالفات مضادة، والأهم بناء استراتيجيات تقوم على توعية المجتمع بمخاطر الدعاوى الرامية إلى إسقاط الدولة، وتشمل هذه التدابير الإستثمار المباشر في تكنولوجيا المراقبة والرصد وتوظيف تكنولوجيا المعلومات في التحليل التنبؤي.

لم تعد الحرب في الوقت الراهن مجرد حرب تقليدية واضحة المعالم والأدوات، فيصف الكتاب حروب الجيل الخامس بأنها “بلا قيود” حيث لا توجد فيها محظورات، وإنما باتت خليطاً من توظيف جميع الأدوات المتاحة، التقليدية وغير التقليدية.

المصدر: كتاب حروب الجيل الخامس

اساليب التفجير من الداخل على الساحة الدولية

ساعدت البيئة العراقية دوليا كحاضنة، وكبيئة جاذبة للصراعات الدولية والاقليمية، حتى بات هذا البلد امتدادا الى البلدان المتزعزعة سياسيا والرخوة امنيا حقل تجارب سياسي وعسكري ومنطقة لتصفية النزاعات، مما دعى القوى العالمية والناشئة الى استثمار البيئة العراقية، مما قد يولّد ما هو اشبه بالاتفاق على منع استقرار المنطقة باعتبارها جبهة مفتوحة وربما الذهاب الى فتح جبهات اخرى شبيهه بسوريا والعراق كما تشهد ليبيا حاليا.

القيود المهشمة او “حرب اللا قيود” هي نسخة واضحة لمرحلة العراق الراهنة وفق فاعل سياسي غير ممسك بزمام الامور وفاقد للمبادرة والحل، حيث تبدأ اشعال الازمة سياسيا وتطفأ سياسيا ايضا، واعتقد ان الحل يكمن في صعود نخبة سياسية فاهمة لاجيال الروب وقادرة على الاحتواء او اعلى الاقل ايقاف الاستنزاف للعملية السياسية ما يمهد لغلق الساحة العراقة عسكريا وفتح ممرات دولية للعراق “كسياسة ناشئة”، ولا بد من معايير ومتكئات يقف عليها الفاعل الجديد على راسها السيادة، ملف الامن، الاقتصاد.

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى