مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

الموقف القانوني من انتماء الموظف العام في العراق للأحزاب والتنظيمات السياسية.

ذهب الفقه القانوني الى وضع تعريفات عدة الى مصطلح الحزب فمنهم من عرف الحزب بأنه ” عبارة عن تنظيم لجماعة معينة…. وبعض آخر عرفه من خلال المبادئ والأهداف التي يبتغيها وبعض آخر ينظر إلى وظائفه وخاصة في تولي الحكم..”.

فمنهم من عرفه بأنه ” جماعة متحدة من الأفراد تعمل بمختلف الوسائل الديمقراطية للفوز بقصد تنفيذ برنامج سياسي معين”. .

. ويمكننا القول ان الحزب ” عبارة عن جماعة من الأفراد المنظمين وفق مبادئ أيديولوجية تعمل على تحقيق هدف معين “.

اما التعريف التشريعي فهو ما عرفه به قانون الاحزاب والتنظيمات السياسية العراقي النافذ رقم ٣٦ لسنة ٢٠١٥ حيث عرف الحزب بأنه ( الحزب او التنظيم السياسي : هو مجموعة من المواطنين منظمة تحت أي مسمى على اساس مبادئ و اهداف ورؤى مشتركة تسعى للوصول الى السلطة لتحقيق اهدافها بطرق ديمقراطية بما لا يتعارض مع احكام الدستور و القوانين النافذة) .

بعد عرفنا مفهوم الحزب نأتي الى السؤال المهم الذي يطرح من قبل الكثير الموظفين وغير الموظفين وهو :

س / هل يحق للموظف العام في العراق الانتماء للأحزاب السياسية وهل يتعارض ذلك مع قوانين الخدمة العامة؟ أي هل ان قوانين الوظيفة العامة تحاسب على انتماء الموظف لأي حزب مؤسس وفق القانون المشار اليه ام لا …؟

نرى وقبل بيان موقف القانون العراقي ان نوضح مسألة مهمة وهي أن الدول تختلف في إعطاء الحق للموظف العام للانتماء إلى الأحزاب فهناك دول تفرض على موظفيها الانتماء إلى الحزب السياسي الحاكم وأخرى تحظر عليه ذلك مطلقا وبعض الدول تقف موقفا وسطا بين هذين الاتجاهين , ولكل اتجاه فلسفة خاصة .نوضحها بالاتي مع الامثلة : ..

اولا: الدول التي تحظر على موظفيها الانتماء إلى الأحزاب السياسي

حيث تنظر هذه الدول إلى الموظف العام باعتباره جزءاً من الجهاز الإداري للدولة، يقع على عاتقه تنفيذ السياسة العامة للحكومة , فهو يشارك في تبني هذه السياسة عن طريق تنفيذ المهام الموكلة إليه ضمن نطاق وظيفته, وبالتالي عليه ان يوجه كل جهوده ومشاعره نحو المرفق الذي يعمل فيه ، وقد تعتنق مناهج مناهضة للسياسة الحكومية احزاب سياسية التي يسير عليها المرفق الذي يعمل فيه الموظف العام لذا يحظر على الموظف العام ان ينتمي إلى أي حزب سياسي ، ويحظر عليه ان يبث دعايات حزبية داخل عمله ، أو ان يستخدم مكان عمله لتسهيل عقد الاجتماعات الحزبية..

ومن هذه الدول مثلاً دولة الكويت التي ينص قانون الوظائف المدنية فيها على انه ” لا يجوز للموظف العام ان ينتمي إلى حزب سياسي أو ان يشترك في أية دعاية حزبية.. “،

وفي دولة قطر ينص القانون المرقم 9 لسنة 1967 الذي حدد واجبات الموظفين والأمور المحظورة عليهم ينص على ” ثانياً : يمتنع على الموظف العام الانتماء إلى إحدى المنظمات أو الهيئات أو الأحزاب السياسية أو ان يعمل لحسابها أو يشارك في الدعاية لها “.

وفي الامارات العربية المتحدة ، أشار القانون الاتحادي في شأن الخدمة المدنية على ” يحظر على الموظف ان ينتمي إلى إحدى الهيئات أو الأحزاب العاملة في مجال السياسة أو ان يعمل لحسابها أو يشارك في الدعاية أو الترويج لها “.

وفي الجمهورية اللبنانية نص المرسوم الاشتراكي المرقم 112 لسنة 1959 الخاص بنظام الموظفين على انه يحظر على الموظف العام 1- ان يشتغل بالأمور السياسية أو يحمل شارة حزب ما أو يلقي أو ينشر دون إذن كتابي من الرئيس المختص في وزارته خطباً أو مقالات أو تصريحات أو مؤلفات. .

وفي الجمهورية الليبية ، فقد نص قانون الخدمة المدنية المرقم 19 لسنة 1964 على انه يحظر على الموظف العام.

2- إلا ينتمي إلى حزب سياسي أو يشترك في اجتماعات أو مظاهرات حزبية أو دعاية انتخابية “.

ثانيا : هناك دول اجازت الانتماء للاحزاب السياسية ونصت على ذلك في دساتيرها وقوانينها الداخلية واعتبرته جزء مهم من الحريات الاساسية وهي الدول التي تأخذ غالبا بمبدأ التعددية الحزبية الذي انتشر بفعل الديمقراطية في العالم في القرن الواحد وعشرين مثال للدول التي تبيح الانتماء هي انكلترا والولايات المتحدة الامريكية

ثالثا : هناك دول اخذت بموقف وسط اي اجازت انتماء الموظف العام للأحزاب السياسية بشكل عام ولكن وضعت شروط او قيود منها مثلا حضر انتماء فئات محددة للأحزاب نظرا لأشغالهم اماكن حساسة في الدولة بالإضافة لشروط اخرى وهي عدم المساس بسير المرفق العام

وبشكل عام يلاحظ هناك اختلاف بهذا الامر بين الدول ذات النظام الحزبي الواحد الذي ساد في القرن العشرين والدول ذات التعددية الحزبية….

نأتي الان الى الاجابة على سؤالنا ما هو الموقف القانوني العراقي ؟ واين هو بين هذه الاتجاهات الثلاثة انفة الذكر؟

اولا : من خلال الرجوع للدستور العراقي الدائم لعام ٢٠٠٥ نجد ان المادة (20) نصت على

للمواطنين، رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح.

ونصت المادة (39) نصت على:

أولا: حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، أو الانضمام إليها مكفولة، وينظم ذلك بقانون

ثانياً: لا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي حزب أو جمعية أو جهة سياسية، أو إجباره على الاستمرار في العضوية فيها.

ثانيا : من خلال الرجوع لقانون الاحزاب السياسية رقم ٣٦ لسنة ٢٠١٥

حيث نجد ان المادة ٤ منه نصت على:

اولا : للمواطنين رجالا و نساء حق المشاركة في تأسيس حزب سياسي او الانتماء اليه او الانسحاب منه

ثانيا : لا يجوز اجبار أي مواطن على الانضمام الى أي حزب سياسي او اجباره على الاستمرار فيه

ثالثا : لا يجوز ان ينتمي أي مواطن لأكثر من حزب سياسي في ان واحد

رابعا : لا يجوز لمن انتمى لأي حزب سياسي الالتحاق بحزب اخر بشرط انتهاء عضويته من الحزب السياسي الذي كان عضوا سابقا فيه

خامسا : لا يجوز تمييز مواطن او التعرض له او مساءلته او المساس بحقوقه الدستورية بسبب انتمائه لحزب مؤسس وفق القانون

اما المادة ٩ فجاء فيها

يشترط في من يؤسس حزبا ان يكون: :-

اولا : عراقي الجنسية .

ثانيا : اكمل الخامسة و العشرين من العمر , و متمتعا بالأهلية القانونية .

ثالثا : غير محكوم عليه بحكم بات من محكمة مختصة عن جريمة القتل العمد او جريمة مخله بالشرف او جرائم الارهاب او الفساد المالي او الاداري او الجرائم الدولية و غير مشمول بإجراءات المساءلة و العدالة و غير منتمي الى حزب البعث المنحل بدرجة عضو عامل فما فوق .

رابعا : غير منتمي لعضوية حزب اخر وقت التأسيس .

خامسا : ان لا يكون من اعضاء السلطة القضائية و هيئة النزاهة و المفوضية العليا المستقلة للانتخابات و المفوضية العليا لحقوق الانسان و منتسبي الجيش و قوى الامن الداخلي و جهاز المخابرات و الاجهزة الامنية و على من كان منتميا الى حزب ان يختار بين الاستقالة من الحزب او الوظيفة في الجهات المذكورة انفا .

سادسا – حاصل على شهادة جامعية اولية او ما يعادلها

.

يتضح من النصوص المتقدمة وخاصة المادة التاسعة الفقرة الخامسة من قانون الاحزاب النافذ, ان المشرع العراقي قد اخذ بالاتجاه الثالث أي الموقف الوسطي حيث منع وظائف محددة من الانتماء للأحزاب والتنظيمات السياسية وهي:

اعضاء السلطة القضائية

هيئة النزاهة

المفوضية العليا المستقلة للانتخابات

المفوضية العليا لحقوق الانسان

منتسبي الجيش وقوى الامن الداخلي و جهاز المخابرات والاجهزة الامنية….. وهذا النص الاخير يتضح ان لا يعني اصحاب المناصب فقط بل كل منتسبين الاجهزة الامنية …..

اذا المنع واضح وصريح فبالنسبة للقضاة واعضاء الادعاء العام ممنوعين بموجب نص دستوري نص المادة ٩٨ وما نص القانون الا تأكيد للنص الدستوري ، اما الاجهزة الامنية تم منعهم بموجب قانون قوى الامن الداخلي رقم لسنة ٢٠٠٨ المادة ٢٩ كذلك الامر بالنسبة للعسكريين وفقا لمدونة السلوك الصادرة استنادا لقانون هيئة النزاهة… وكذلك قانون العقوبات العسكري……

مما تقدم اعلاه نلاحظ ان المشرع العراقي الذي اتخذ موقفا وسطا لم يكن منصفا ابدا, كونه لم يمنع الموظف العام من الانتماء للأحزاب السياسية ..ومنع فئات محددة مع ان الحكمة والعلة من المنع متحققة بالنسبة للموظف العام… هي ذاتها وهي الانصراف لعمل المرفق العام وتقديم الخدمة العامة بعيدا عن التخندق تحت اسم هذا الحزب او ذاك…. بالإضافة الى ان لائحة السلوك الوظيفي الصادرة من قبل هيئة النزاهة منعت صراحة تعارض المصالح بالإضافة الى اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد منعت ذلك ايضا ………حيث ان استمرار هذه الحالة د يؤثر سلبا على اداء الوظيفية العامة ويكون طريق يسهل ويكرس المحاصصة ليس للدرجات الخاصة فقط وانما يصل حتى لمستوى مسؤول الشعبة… وبالنتيجة يؤثر سلبا على الجهاز الاداري للدولة.

لذا نقترح على المشرع العراقي ان يكون الحظر للانتماء للأحزاب السياسية شامل ومطلق للموظفين العموميين وليس حظرا جزئيا لاتحاد العلة وذلك من خلال تعديل قانون الاحزاب الحالي …

 

المدرس المساعد اياد جعفر الاسدي _ جامعة كربلاء _ كلية القانون

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى