مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

ما الذي يمكن ان يتغير في عهد بايدن ( تحديات السياسة الامريكية)

حظيت انتخابات الرئاسة الامريكية بأيام من انعدام اليقين ليفوز جون بايدن ، لتتعالى الاصوات حول ماهية السياسة الامريكية الديمقراطية والتي سيتبعها بايدن خلال فترة توليه رئاسة البيت الابيض والتي منها الاتفاق النووي الامريكي الايراني والتوقعات حول منحى الامور بهذا الشأن وهو ما ينبئ بتغير دراماتيكي في السياسة الامريكية تجاه ايران وهو ما يتضح جليا بالاختلاف الواضح بين تفكير كل من ترامب وبايدن وحزبيهما الا ان ما لا جدال فيه ان كلا الرجلين يؤمنان بأن منطقة الشرق الاوسط باتت تمثل عبئا على الادارة الامريكية وان الابتعاد هو خير سبيل ولا سيما بعد انسحاب ايران من الاتفاق النووي واغتيال الجنرال سليماني وتطبيق سياسة الضغط وسحب القوات الامريكية من سوريا وخفض التواجد العسكري في العراق وقصف المنشآت النفطية السعودية لتشير كل تلك الاحداث وبوضوح ان الادارة الامريكية في عهد ترامب اعتمدت على ردود الفعل وافتقاد الرؤية الواضحة وهو ما سيكون تركة ثقيلة سيتركها ترامب لخلفه ، فهو لن يسعى لخفض ميزانية البنتاغون او وقف الضربات بالطائرات المسيرة كما سيعمل على الاحتفاظ بوجود عسكري في القواعد الامريكية ولا سيما في العراق وأفغانستان.

الا ان مما لاشك فيه ان بايدن سيتبع سياسة مختلفة فعوضا عن اعتماد المعيار الاقتصادي سيلجأ لا تباع معايير اخرى في علاقاته بالمنطقة وتركيا والصين لتكون عبارات الديمقراطية وحقوق الانسان من العبارات التي سيتردد صداها خلال الاربع سنوات القادمة .

كالاختلاف في الرؤية بشأن ما يجب ان يكون عليه العالم يولد التباين فمن وجهة نظر ترامب فأمريكا أولا ويجب التخلي عن كل ما يضعها في موقف غير عادل ليقود ذلك الى التخلي عن الاتفاقيات الدولية برؤية أحادية شخصية قائمة على التعاملات التجارية تحدد علاقاته بالعالم المحيط ، اما بايدن فيظهر في الصورة التقليدية لدور أمريكا ومصالحها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بقيم غربية قائمة على عالم من التحالفات التي تتزعم فيها الولايات المتحدة العالم ، وهو ما يبعث رسالة حول السياسة الامريكية القادمة بموجة من الاصلاح للعلاقات الموترة التي خلفها ترامب ولا سيما مع حلف الناتو والعودة لمنظمة الصحة العالمية ومحاربة التغير المناخي ليعيد الانضمام لاتفاقية باريس للمناخ والتي مثلت احدى اهم الاتفاقيات التي تخلى عنها ترامب بسياساته الحادة التي انتهجها على الساحة الدولية فروج للوقود الاحفوري وتراجع عن العديد من انظمة حماية البيئة لكونه يرى ان مواجهة تلك الامور يشكل تهديدا للاقتصاد ، ليكون سلوك بايدن على النقيض من ذلك بالترويج لخطة بقيمة تريليوني دولار لوضع اهداف اتفاقية باريس موضع التنفيذ بخفض الانبعاثات مع العمل على بناء اقتصاد يعتمد على الطاقة النظيفة وهو ما سيؤدي لخلق الملايين من فرص العمل .

اما فيما يتعلق بإيران فنجد ان بايدن مستعد لإعادة الانضمام للاتفاقية التي قضت بتخفيف العقوبات على ايران مقابل تقليص برنامجها النووي والتي تخلى عنها ترامب عام 2018 بانسحابه منها بالقول بان ذلك الاتفاق يمثل نقطة ضيقة للتعامل مع التهديدات التي تمثلها ايران للمنطقة والعالم وأضعف من ان يحد من تلك التهديدات ، ليعود لفرض العقوبات على ايران ومواصلة الضغوط الاقتصادية بأدراج معظم القطاع المالي الايراني على اللائحة السوداء وهو ما واجهت ايران بالرد برفع بعض القيود عن نشاطها النووي ، وهو ما يرى بايدن بانها سياسة فشلت في الوصول لهدفها المنشود بل اسهمت في رفع التوتر في تلك العلاقة ليعلن انه سيعاود الانضمام الى الاتفاق النووي في حين عاودت ايران الالتزام به مع السعي للتفاوض لمعالجة المخاوف التي يشترك فيها مع ترامب .

اما بما يتعلق بالعلاقات العربية الاسرائيلية والتي كان ترامب من الراعين لها فان بايدن يعد داعما مخلصا ومدافعا قديما عن اسرائيل الا انه قد نشهد دعما محوريا ومشاركة اكبر من المدافعين عن حقوق الانسان ولا سيما من قبل الامريكيين من اصول فلسطينية وجانب من الجمعات اليهودية والتي تدرك بان انهاء الاحتلال امرا مهم للسياسة الخارجية الامريكية .

اما فيما يتعلق بالعلاقة الروسية الامريكية فنجد ان بايدن اكثر مرونة في التعامل نع الامر بإعلانه برغبته بالعمل مع موسكو للحفاظ على ما تبقى من معاهدات تعمل على الحد من الترسانة النووية للبلدين نقيض خلفه ترامب والذي اتهم روسيا بالغش ليعمد للانسحاب من معاهدتين بهذا الشأن .

اما في نطاق العلاقات الامريكية الصينية فنجد ان ترامب قد سعى للتخلي عن علاقة الصداقة بين البلدين واتهام الصين بنشر فيروس كورونا مع اتخاذ اجراءات تجارية قاسية وحرب كلامي تعود لحقبة الحرب الباردة ، الا ان مما لا خلاف فيه ان بايدن سيواصل انتهاج سياسة ترامب بمواجهة سياسات الصين الاقتصادية الضارة لكن بالاشتراك مع الحلفاء على نقيض ترامب الذي كان يفضل اتفاقيات التجارة الاحادية .

وبذلك سيشكل انتصار بايدن تحديا جديدا للنظام العالمي فالية انتقال السلطة اكبر دليل ان القيم الامريكية باقية ولا تتعلق بشخص الرئيس .

د. ايناس عبد الهادي الربيعي مركز وطن الفراتين للدراسات الاستراتيجية

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى