مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

قراءة تشريعية في مدى استجابة المشرع العراقي لاتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2004

تمثل إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ميثاقاً دولياً بالغ الأهمية لسببين أولهما: أنها إتفاقية عالمية النطاق اشترك في أعمالها التمهيدية وفي المفاوضات التي سبقت إقرارها أكثر من مائة وعشرين دولة بالإضافة إلى العديد من المنظمات الدولية. وثانيهما إن هذه الإتفاقية تمثل إستراتيجية شاملة لمكافحة الفساد تعتمد على اتخاذ مجموعة من التدابير التشريعية وغير التشريعية، وتنشئ لنفسها آلية لمراقبة التنفيذ من خلال مؤتمر الدول الأطراف. وتستهدف التعاون القضائي بين الدول الأطراف على كافة أصعدة مكافحة ظاهرة الفساد.

ومما لاشك فيه إن التشريع العراقي مدعو إلى الإستجابة التشريعية لهذه الإتفاقية لكي يبدو أكثر توافقاً أو أتساقاً مع أحكامها،ولعل هذه الإستجابة التشريعية المرجوة يفرضها عامل قانوني مهم، وهو أن إنضمام العراق إلى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتصديق عليها يعني ان المشرع العراقي سوف يصبح من الناحية القانونية ملزم بأحكامها. لأن التصديق على معاهدة دولية بحكم ما تنص عليه الدساتير والقوانين يجعل من هذه المعاهدة جزء لا يتجزء من النظام القانوني الوطني، ويترتب على ذلك ضرورة تحقيق الإستجابة والمواءمة التشريعية بين ما تضمنته أحكام المعاهدة وبين الأحكام الواردة في التشريع العراقي ،لذا سنعمد لدراسة ما جاءت به الإتفاقية وعلى سبيل الخصوص الفصل الثالث منها والذي حدد فيه التجريم وإنفاذ القانون بشأن جرائم الفساد وما جاء به المشرع العراقي بشأن ذلك من جهة. وسيتم تقسيم الدراسة الى ثلاثة مباحث نتناول في الأول البناء القانوني لجرائم الفساد. أما الفصل الثاني فيكون محوراً لدراسة المسؤولية الجزائية عن جرائم الفساد، والأخير فيتضمن النظام الجزائي لجرائم الفساد، تضمن الفصل الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في المواد (15) تحت عنوان (التجريم وانفاذ القانون الجرائم التالية :- الرشوة في القطاعين العام والخاص واختلاس الأموال العامة والقطاع الخاص والمتاجرة في النفوذ وإساءة استغلال الوظائف والإثراء غير المشروع وغسل العائدات الإجرامية والإخفاء وإعاقة سير العدالة وتستوعب هذه الجرائم صدر المساهمة والشروع وسنتناول هذه الجرائم على وفق ما جاءت به الاتفاقية وكما هو عليه الآتي:-

أولا:- الرشوة:

تنص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على صورتين للرشوة :- أولهما الصورة التقليدية للرشوة عندما تقع من موظف عام وطني (م 15) وثانيهما الصورة المستخدمة للرشوة حين تقع من موظف عام أجنبي أو موظف في مؤسسة دولية عمومية (م 16)

1- رشوة الموظف العام الوطني

تتضمن المادة (15) من اتفاقية مكافحة الفساد صورتين للرشوة الأولى:- هي الرشوة التي يجرم فيها فعل كل من وعد موظف عمومي بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها بشكل مباشر أو غير مباشر سواء لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر لكي يقوم الموظف بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما لدى أداء واجباته الرسمية أما الصورة الثانية فهي الرشوة التي يجرم فيها سلوك الموظف نفسه وهو التماس موظف عمومي أو قبوله بشكل مباشر أو غير مباشر مزية غير مستحقة سواء لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر لكي يقوم ذلك الموظف بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما لدى أداء واجباته الرسمية .

ومن دراسة النص أعلاه ومقارنة بما جاء به المشرع العراقي نجده انه لا يكاد يختلف النموذج القانوني لجريمة الرشوة في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1961( ) مع ما هو منصوص عليه في المادة (15) من الاتفاقية فالجريمة تتألف من ركنين مادي ومعنوي و يسبقهما الركن او الشرط المفترض ،أما بالنسبة للركن الخاص والمتمثل بصفة الموظف العام فيعني أن الرشوة لا تقع إلا إذا توافرت صفة الموظف العام المختصوقد نصت المادة الثانية من الاتفاقية فقرة ( أ) لتعريف الموظف العام بأنه : ( أ – أي شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو أداريا أو قضائيا لدى دولة طرف سواء كان معينا أو منتخباً دائما أو مؤقتا ، مدفوع الأجر أم غير مدفوع الأجر وبصرف النظر عن أقدميه ذلك الشخص) ( ب- أي شخص أخر يؤدي وظيفة عمومية … حسب التعريف الوارد في القانون الداخلي للدولة الطرف …) ويبدو من التعريف السابق ذكره أن الاتفاقية حاولت قدر الإمكان من التوسع في مفهوم الموظف العام لمكافحة الفساد وهو ما ذات الامرالذي حرص عليه المشرع العراقي عند تعريف المكلف بخدمة عامة في الفقرة (2) المادة (19) من قانون العقوبات ،فجاء بتعريف واسع ليشمل جميع ما جاءت به الاتفاقية من فقرات وهو ما يحتسب للمشرع العراقي عبر الاحاطة بما تضمنته الاتفاقية ببيانها لمفهوم الموظف المكلف بخدمة عامة للاحاطة بجميع الجوانب التي يمكن ان تعد ثغرة يمكن اللجوء اليها للتملص من تطبيق القانون ونفاذه.

أما الركن المادي لجريمة الرشوة وفقا لما يستخلص من المادة (15) من الاتفاقية فهو لا يختلف تقريبا عن الركن المادي الذي جاء به المشرع العراقي ، إذ ينبغي أن يصدر عن الموظف طلب أو قبول لميزة غير مستحقة أو وعد لأجل القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل من أعمال وظيفته لصالح نفسه أو كيان آخر . فيما يتعلق بصور الأفعال التي يمكن أن يقوم بها الموظف نجد أن المشرع العراقي قد أضاف إلى ذلك الإخلال بالواجبات الوظيفية فضلا عن الصورتين أعلاه ولكن لنا وقفة بما جاءت به الاتفاقية وهو (الكيان الأخر) وتبدو عبارة كيان أخر ذات أهمية خاصة لأنها تعني توافر الرشوة ليس فقط ولو كانت المزية لشخص طبيعي قريب أو صديق لموظف وإنما أيضا ولو كانت لصالح كيان أخر والذي يتمثل بالشخص المعنوي أو جهة ما. فندعوا المشرع العراقي أن يولي هذا الأمر شيء من الاهتمام ويشدد في العقوبة عن ما إذا كان لنفسه أو لغيره كما جاء في نص المادة (307 ) عقوبات .

وفيما يتعلق بالركن المعنوي للجريمة فالرشوة مثل كل الجرائم الفساد الأخرى المشمولة بالاتفاقية هي جريمة عمديه ويعني ذلك أن لابد لقيامها قانونا توافر عناصر العمد وهي عناصر القصد ألجرمي والذي يتمثل بالعلم والإرادة

2 – رشوة الموظف العام الأجنبي أو الموظف الدولي

ولا يختلف النموذج القانوني لهذه الجريمة عن رشوة الموظف العام الوطني ، المنصوص عليها في المادة (15) إلا فيما يتعلق بعنصرين هما صفة الفاعل في الجريمة ومقابل الرشوة، وفيما يتعلق بصفة الفاعل في الجريمة فالمرتشي هو كل من تتوافر فيه صفة الموظف العام الأجنبي أو الموظف الدولي ، وقد تصدت الفقرة (ب) من المادة الثانية من الاتفاقية لتعريف الموظف العام الأجنبي ، فنصت على أنه ( أي شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا لدى بلد أجنبي….. أو أي شخص يمارس وظيفة عمومية لصالح بلد أجنبي…) ويبدو أن المشرع العراقي قد عالج ذلك الأمر فيما يتعلق بصفه الموظف الأجنبي لأنه جاء تعبير صفة الموظف أو المكلف بخدمة عامة على وجه العموم والإطلاق بصرف النظر عن صفة أو جنسية ذلك الموظف ، أما صفة الموظف الدولي فيستخلص مما نصت عليه الفقرة (ج) من المادة الثانية من الاتفاقية بأنه (كل مستخدم مدني دولي … وبالتالي فكل العاملين في المنظمات والهيئات والكيانات الدولية هم من قبل الموظفين الدوليين) ويبدوان هذا المفهوم قد جاء واسعا والسبب يعود في ذلك إلى إن إخضاع هؤلاء إلى الأحكام التي اشتملت عليها اتفاقية مكافحة الفساد بما في ذلك أمكان مساءلتهم عن جرائم الفساد المنصوص عليها في الاتفاقية وندعو المشرع العراقي على أيجاد مثل هذه النصوص ليطال العقاب كل من أرتكب جريمة على أرض الدولة وذلك تفعيلا لنص المادة (6) من قانون العقوبات الخاص بالاختصاص الإقليمي ، ولا شك إن إضافة الموظفين العموميين الأجانب والدوليين في أمكانية مساءلتهم عما يرتكبونه من جرائم الرشوة وذلك استجابة لما هو حاصل في الوقت الحاضر من تشابك و تداخل العلاقات والأنشطة بين المؤسسات الدولية والدول من ناحية وبين الكيانات الاقتصادية الدولية وغيرها من الكيانات الأخرى والمجتمعات من ناحية أخرى أما العنصر الثاني الذي يميز رشوة الموظف العام الأجنبي أو الدولي فيتمثل في مقابل الاتجار بالعمل الوظيفي واستغلاله وهو الحصول على منفعة تجارية أو الاحتفاظ بها.

ثانيا – اختلاس الأموال العامة

وهي أحدى أهم جرائم الفساد بالنظر للآثار السلبية المالية الناجمة عنها حيث تمثل أهدارا لأموال وممتلكات الدولة التي هي في ذات الوقت ملك المجتمع. كما تكمن خطورتها في أنها تشكل ضربا من ضروب خيانة الأمانة للموظف التي أودعت إليه من حيث توليه الوظيفة وضرورة الحفاظ على الأموال والممتلكات التي يضع يده عليها بحكم هذه الوظيفة ،وتنص المادة (17) من الاتفاقية على أن (تعتمد كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير تشريعية و تدابير أخرى لتجريم قيام موظف عمومي عمدا لصالحه هو أو لصالح شخص أو كيان أخر باختلاس أو تبديد أي ممتلكات أو أوراق أو أموال مالية عمومية أو خصوصية أو أي أشياء أخرى ذات قيمة عهد بها إليه بحكم موقعه أو تسريبها بشكل أخر) ،ليتضح من النص السابق الذكر بإن الاتفاقية قد توسعت في نطاق جريمة الرشوة بالمقارنة مع جريمة الاختلاس فالجريمة الأولى يرتكبها كل موظف عام سواء كان وطنيا أم أجنبيا أم كان موظفا دوليا في مؤسسة دولية، أما جريمة الاختلاس فلا تقع إلا من توافرت فيه صفة الموظف العام الوطني فقط . ويتضمن النموذج القانوني لجريمة الاختلاس الأموال العامة الواردة في المادة (17) من الاتفاقية ركنين مادي ومعنوي وركن مفترض وهو صفة الموظف العام ويشمل الركن المادي على عنصرين أولهما فعل الاختلاس والثاني محل الاختلاس ويتمثل عنصر الاختلاس في أفعال الاختلاس في الاستيلاء المقترن بنية التملك وهو ما عالجته المادتان (315 ، 316) من قانون العقوبات العراقي ، والتبديد والأضرار أو أي استعمال غير مشروع وهو تضمنته كذلك المواد ( 338 ، 340 ، 341) والصورة الأخيرة تتمثل بمجرد استعمال الأموال والممتلكات العائدة للدولة على نحو غير مشروع ولو لم يقترن هذا الاستعمال بنية التملك وهو ما انفرد به كذلك المشرع العراقي في معالجة هذا الأمر عن بقية التشريعات الأخرى في المادة (335) عقوبات أما محل الاختلاس فيعني الأموال أو الممتلكات أو الأوراق المالية سواء كانت عامة أم خاصة أو أي أشياء أخرى ذات قيمة ولكن يشترط إن تكون هذه الأموال أو الأشياء قد سلمت إلى موظف بسبب وظيفة أما الركن المعنوي فيجب أن يقع بصورة عمديه وبالتالي تتوافر عناصر القصد الإجرامي كما تطلقه المادة (17) من الاتفاقية.

ثالثا – الاتجار بالنفوذ

يتمثل جوهر النموذج القانوني لجريمة الاتجار بالنفوذ في قيام الموظف أو أي شخص آخر باستغلال نفوذه الفعلي أو المفترض للحصول من الإدارة أو السلطة العامة تابعة للدولة على مزية غير مستحقة وذلك مقابل أي مزية لصالحه أو لصالح شخص أخر( ) وقد أوضحت المادة (18) من الاتفاقية أركان وعناصر الاتجار بالنفوذ وان هذه الجريمة تتحقق على وفق ما جاءت به الاتفاقية بتوافر ثلاثة أركان وهو الشرط المفترض المتمثل بالموظف العام. ولكن الاتفاقية هنا لم تقتصر على الموظف العام فحسب وإنما يمكن إن يكون الفاعل في الجريمة شخص آخر لا تتوافر فيه صفة الوظيفة العامة إذ المهم في هذه الجريمة هو إن يتم استغلال ما قد يكون له من نفوذ ييسر له الحصول على مزايا غير مستحقة من الوظيفة العامة ويستوي إن يكون النفوذ فعليا أو مفترضا ، فقد يكون الفاعل موظفا تتيح له درجته الوظيفية وما له من اختصاص إن يباشر نفوذا فعليا ، وقد يكون له محض نفوذ مفترض قد يستخلص منه كونه عضوا في مجلس النواب وفيما يتعلق بالركن المادي للجريمة فيشتمل على عدة عناصر وهي طلب أو قبول أي مزية غير مستحقة لصالحه أو لصالح شخص آخر والطلب يعني صدور المبادرة من الموظف أو شخص الأخر صاحب النفوذ، أما القبول فيفترض إن هناك وعدا أو عرضا سبق صدوره من الشخص المستفيد ثم أعقبه قبول الموظف أو الشخص صاحب النفوذ ويجب إن ينصب الطلب أو القبول على مزية غير مستحقة ولم تحدد الاتفاقية ماذا يقصد بالمزية غير المستحقة . وهو تعبير يشمل كل صور المقابل العيني والنقدي وكافة المنافع والمزايا الأخرى أما الركن المعنوي للجريمة فيأخذ صورة العمد وهو ما يستفاد صراحة مما هو منصوص عليه في المادة (18) من الاتفاقية التي اشترطت لتجريم الاتجار بالنفوذ إن يرتكب عمدا وبالتالي فأن الخطأ غير المقصود بكافة صوره لا يكفي لتوافر الركن المعنوي لجريمة الاتجار بالنفوذ وفيما يتعلق بمواءمة أو استجابة المشرع العراقي لنصوص الاتفاقية نجد أن التشريع العراقي لم ينص صراحة على جريمة الاتجار أو استغلال النفوذ لذا تدعو المشرع إلى سد هذه الثغرة التشريعية للحيلولة دون وقوع جرائم الفساد خاصة وأن هذا النوع من الجرائم يمثل أخطر وأهم صور الفساد لاسيما في الوقت الحالي الذي يشهده العراقي من تطور وتغير في الفلسفة الاقتصادية.

رابعا: إساءة استغلال الوظائف

تتضمن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد صورة أخرى من صور الفساد تتميز عن جرائم الرشوة والاختلاس والمتاجرة بالنفوذ وهي إساءة استغلال الوظائف فتنص المادة (19) من الاتفاقية على ( تنظر كل دولة طرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لكي تجرم تعمد موظف عمومي إساءة استغلال وظائفه أو موقعه ، أي قيام أو عدم قيام بفعل ما ، لدى الاضطلاع بوظائفه بغرض الحصول على مزية غير مستحقة لصالحه هو أو لصالح شخص أخر أو كيان أخر مما يشكل انتهاكا للقوانين ) ، أن النموذج القانوني لهذه الجريمة يتسم بالأتساع وهو يواجه في الواقع الفروض الأخرى لانتفاع الموظف على نحو غير مشروع من أعمال وظيفته بالمخالفة لأحكام القانون سواء كان الانتفاع لنفسه أو لغيرة. ويتواءم التشريع العراقي مع اتفاقية مكافحة الفساد فيما تنص عليه من جريمة إساءة استغلال الوظيفية وأن تفاوت المسمى الذي يطلق عليه. فقد عالجت المادة (316) عقوبات الأحكام الخاصة بالموظف الو المكلف بخدمة عامة الذي أستغل وظيفته فاستولى بغير حق على مال أو متاع أو ورقة مثبته لحق, غير ذلك مملوك للدولة أو لأحدى المؤسسات أو الهيئات التي تسهم ألدوله في مالها بنصيب ما أو سهل لغيره أو كان المال مملوك للغير.

خامسا – الإثراء غير المشروع

تمثل جريمة الإثراء أو الكسب غير المشروع صورة للفساد مثيرة للجدل و سبب هذا الجدل إن هذه الجريمة تتجسد في الواقع صورة من صور الفساد المراوغ والذكي الذي ينفذ عبر ثغرات النصوص ويخترق مفاهيمها الجامدة متبنياً مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات التي توجب تفسير النصوص الجزائية تفسيرا ضيقا أو حضر تفسيرها بطريق القياس ،وقد ورد النموذج القانوني للإثراء غير المشروع في المادة( 20 ) من اتفاقية مكافحة الفساد الني تنص على إن ( تنظر كل دولة طرف رهنا بدستورها والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني في أعتاد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي أثراء غير مشروع أي زيادة موجودا ته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا إلى دخله المشروع)

ولعل ما يؤكد الجدل الحاصل حول مدى مشروعية تجريم الإثراء غير المشروع إن المادة (20) من الاتفاقية حين دعت الدول إلى تجريم هذا الإثراء فأنها جعلت ذلك منوطا بدستور الدولة والمبادئ الأساسية لنظامها وهو ما لم تنص عليه بشأن جرائم أخرى نصت عليها تلك الاتفاقية نظرا لخطورة هذا النوع من الجرائم على المجتمع من جهة وعلى البنى الاقتصادية للدولة من جهة أخرى حاول المشرع العراقي إن يضع النموذج القانوني متكامل للإحاطة بهذا النوع من الجرائم فقد عالج أحكامها من خلال قانون الكسب غير المشروع رقم 15 لسنة 1958 ومن جهة أخرى عالج قانون مفوضية النزاهة العامة في العراق في القسم السابع والثامن منه الأحكام الخاصة بالكشف عن المصالح المالية والذي يسري بالتحديد على المسئولين الكبار في الدولة والتي أشارت أليهم بالتحديد في الفقرة (5) من القسم الثاني من القانون ،وندعو المشرع العراقي إلى أيجاد نصوص محددة ذات عقوبات صارمة خاصة بالكسب غير المشروع وذلك وفقا لما تمليه السياسة التشريعية الجنائية التي تحدد نصوصها من خلال ما هو موجود على أرض الواقع في الدولة ،خاصة وقد كثرت في الاونه الأخيرة من هذا النوع من الجرائم بشكل بات يهدد النظام القانوني والاجتماعي والاقتصادي في البلد.

سادسا – غسل الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد

يعد غسيل الأموال المتحصلة من جرائم الفساد أهم وأخطر صور الفساد قاطبة وذلك لسببين أوليهما أن جرائم الفساد هي بالأساس جرائم مالية يمثل النفع المادي فنها الباعث الحقيقي على ارتكابها، وبالتالي فان تأمين هذا النفع المادي يتطلب من الجاني الإسراع باستخدام الحيل ووسائل التمويه التي تمكنه من إضفاء مصدر مشروع على الأموال المتحصلة من جرائم الفساد التي ارتكبها ،وثانيهما إن غسل عائدات الفساد مثل غسل أو تبييض عائدات أي جريمة أخرى لا تعد فقط جريمة مالية بل هي أيضا وعلى وجه الخصوص إحدى جرائم عرقلة سير العدالة لأن رسائل غسل الأموال تزيد من صعوبة كشف الجريمة وتتبع عائداتها المباشرة ،ومن هنا تبرز أهمية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ذلك لأنها تحاول إن تضع حلولا للصعوبات والمشكلات القانونية الناشئة عن ظاهرة غسل عائدات الفساد وقد تضمنت المادة (23) من الاتفاقية النموذج القانوني للجريمة الخاصة بغسل العائدات الجرمية، فضلا عن بعض الأحكام الإجرائية الخاصة بالولاية القضائية والتي نحاول بيان أحكامها وفقا للاتي:

1- أفعال غسل العائدات المتحصلة عن إحدى جرائم الفساد .

يتضمن النموذج القانوني لتجريم غسل الأموال على وفق ما ورد في نص المادة (23) من الاتفاقية الأفعال التالية:

أ – إبدال الممتلكات أو أحالتها مع العلم بأنها عائدات إجرامية ، بغرض إخفاء أو تمويه مصدر تلك الممتلكات غير المشروع ب – أخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بان تلك الممتلكات عائدات إجرامية ج – اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع العلم وقت استلامها بأنها عائدات إجرامية

2 – المحل الذي ترد عليه جريمة غسل عائدات الفساد

تنصب جريمة غسل عائدات الفساد على الممتلكات والعائدات المتحصلة عن إحدى جرائم الفساد وقد ورد تعريف الممتلكات والعائدات ضمن المادة الثانية من الاتفاقية الخاصة بالمصطلحات المستخدمة ويقصد بالممتلكات وفقا للفقرة (د) من المادة الثانية ( الموجودات بكل أنواعها سواء كانت مادية أم غير مادية ، منقولة أم غير منقولة ملموسة أم غير ملموسة والمستندات أو الصكوك القانونية التي تثبت ملكية تلك الموجودات أو وجود حق فيها ) أما العائدات الإجرامية فهي وفقا للفقرة (هـ) من ذات المادة( أي ممتلكات متأتية أو متحصله عليها بشكل مباشر أو غير مباشر من ارتكاب جرم ويقصد بذلك بطبيعة الحال أي جرم منصوص عليه في هذه الاتفاقية )

3 – مفهوم الجريمة الأصلية التي تحصلت عنها الممتلكات أو العائدات

لكي يتوافر النموذج القانوني لجريمة غسل الأموال المتحصلة عن الفساد يجب إن تكون هذه الأموال متحصله عن جرم أصلي ويقصد بالجرم الأصلي كل جريمة منصوص عليها في الاتفاقية من تلك الواردة في الفصل الثالث منها والمخصص للتجريم . ولكن مفهوم الجريمة الأصلية مصدر الأموال التي يتم غسلها لا يقتصر بالضرورة على جرائم الفساد المنصوص عليها في الاتفاقية وان كانت تشكل الحد الأدنى بل تستوعب أيضا أي جرائم أصلية أخرى ترد في التشريع الداخلي للدولة . وقد أشارت إلى ذلك ( أ ) من الفقرة الثانية من المادة ( 23) من الاتفاقية بقولها: لأغراض تنفيذ أو تطبيق جريمة غسل العائدات من الجرائم الأصلية. أما الركن المعنوي من الجريمة فأن جريمة غسل الأموال المتحصلة عن إحدى جرائم الفساد هي جريمة عمديه لا يكفي لقيامها مجرد توافر التقصير والإهمال أو غير ذلك من صور الخطأ غير المقصود وهذا ما هو مستخلص من نص المادة ( 23) من الاتفاقية ويكمن جوهر القصد العمد في علم الجاني بان الأموال أو العائدات التي يباشر بصددها وسائل غسل الأموال إنما هي أموال أو عائدات متحصله من أحدى جرائم الفساد والمشمولة بالاتفاقية .

ويبدو إن التشريع العراقي جاء متوافقا مع إحكام اتفاقية مكافحة الفساد سواء من حيث تعريفه لأفعال غسل أو تبييض الأموال أو من حيث نطاق جرائم الفساد مصدر الأموال أو العائدات التي يتم غسلها ، فمن ناحية أولى وعلى صعيد أفعال غسل الأموال يتضمن قانون مكافحة غسيل الأموال لسنة 2004 الصادر بموجب أمر سلطة الائتلاف رقم ( 93) تجريم العديد من صور غسل الأموال والتي تمثل وفقا للمادة الثالثة منه ( كل من يدير أو يحاول إن يدير تعامل مالي يوظف عائدات بطريقة ما لنشاط غير قانوني عارفا بان المال المستخدم هو عائدات بطريقة ما لنشاط غير قانوني أو كل من ينقل أو يرسل أو يحيل وسيلة نقدية أو مبالغ تمثل عائدات بطريقة ما لنشاط غير قانوني عارفا بان هذه الوسيلة النقدية أو المال يمثل عائدات بطريقة ما لنشاط غير قانوني )

ومن ناحية ثانية وعلى صعيد نطاق جرائم الفساد ومصدر الأموال والعائدات التي يتم غسلها يبدو التشريع العراقي متوافقا مع إحكام معاهدة مكافحة الفساد إن لم يكن أكثر توسعا منها في المفهوم الذي يأخذه لجرائم الفساد كجرائم أصلية في مجال غسيل الأموال، فوفقا للمادة أعلاه فان التجريم ينصب على غسل الأموال المتحصلة من أي نشاط غير قانوني .

سابعا – أخفاء الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد .

يمثل النموذج القانوني للإخفاء أهمية خاصة في مكافحة الفساد ، ولعل هذه الأهمية تراجعت بالنظر لتجريم غسل عائدات الفساد ولكون الجريمتين تشتركان في العديد من العناصر فسواء تعلق الأمر بالإخفاء أو غسيل الأموال فانه لابد من وقوع جريمة أصلية سابقة عليهما . كما إن الركن المادي يكاد يتشابه إلى حد بعيد في كل من الجريمتين فهو يتمثل في حيازة أو اكتساب أو استخدام أموال أو ممتلكات يعلم الشخص بكونها متحصله من جريمة سابقة كما إن كلا الجريمتين لابد إن ترتكب عمدا . ورغم ذلك فأن خصوصية غسيل الأموال تتمثل في أنها تستوعب الفروض التي تتم بوسائل التمويه المختلفة والتقنيات المصرفية، ولكن على الرغم من ذلك فإن تجريم الإخفاء يبقى ضرورياً ليس فقط بعده اعتداء على ملكية الغير وهي في حالة الفساد، بل لأن إخفاء شيء متحصل عن جريمة يعرقل العدالة ويحول دون كشف الحقيقة والعثور على الأموال غير المشروعة ،وقد تضمنت المادة (24) من اتفاقية مكافحة الفساد النموذج القانوني لجريمة الإخفاء حيث تنص على انه ((دون مساس بأحكام المادة (3) من هذه الإتفاقية تنظر كل دولة ظرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم القيام عمداً عقب ارتكاب أي من الأفعال المجرمة وفقاً لهذه الإتفاقية دون المشاركة في تلك الجرائم، بإخفاء ممتلكات أو مواصلة الاحتفاظ بها عندما يكون الشخص المعني على علم بأن تلك الممتلكات متأتية من أي من الأفعال المجرمة وفقاً لهذه الاتفاقية)).

ولعل أهم ما يتميز نطاق تجريم إخفاء الأموال المتحصلة من إحدى جرائم الفساد المشمولة بالاتفاقية أمران أولا إن وضع هذا النموذج ألجرمي موضع التطبيق لا يخل بأعمال نموذج غسيل أموال الفساد. وقد نصت المادة (24) من الإتفاقية على ذلك صراحة. وهو ما يعني في واقع الأمر الاعتراف بما هناك من ازدواجية وتداخل بين الجريمتين لاشتراكهما في العديد من العناصر أما الأمر الثاني الذي يميز النموذج القانوني لإخفاء أموال الفساد هو أن هذه الجريمة لا تتحقق من الناحية القانونية إلا مستقلة عن الجريمة الأصلية التي تحصلت منها الأموال التي يتم إخفاؤها ويعني هذا الاستقلال استبعاد اعتبار جريمة إخفاء أموال الفساد صورة من صور الاشتراك أو المساهمة في جريمة الفساد ذاتها التي تحصلت منها الأموال وقد نصت هذه الاتفاقية على ذلك صراحة في المادة (23) منها على أن تجريم الإخفاء لا يتضمن المشاركة في جريمة الفساد.ويبدو ان المشرع العراقي جاء منسجماً تماماً مع النموذج القانوني لتجريم إخفاء الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد الذي تضمنته الاتفاقية فقد نص قانون العقوبات العراقي في المادة (460) منه على جريمة إخفاء أشياء متحصله من جريمة. ويتسم النموذج القانوني لجريمة الإخفاء في التشريع العراقي بالاتساع من ناحيتين:

1- انه بجرمه إخفاء الأموال أو الأشياء الناتجة عن أي جناية أو جنحة دون أن يحصر ذلك بجرائم الأموال أو الفساد وبصرف النظر عن طبيعة هذه الجريمة الأصلية وسواء كانت موجهة ضد الأفراد أو ضد الدولة أو الإدارة العامة أو الأموال العامة.

2- إن جعل الركن المادي لجريمة الإخفاء شاملاً ليس فقط في مفهومه الدقيق بل أيضاً الحيازة الاستعمال أو التصرف للأشياء أو الأموال ذات المصدر غير المشروع، لايشترط في الإخفاء الإحراز المادي بل يكفي أن يكون سلطان الجاني مبسوط عليه ولو لم يكن في حيازته الفعلية.

ثامناً: عرقلة سير العدالة

تشكل عرقلة سير العدالة بالتأثير على الشهود أو الموظفين المنوط بهم تنفيذ القانون أحدى العقبات التي تحد من مكافحة الفساد. وقد أفردت إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المادة (25) منها لتجريم عرقلة سير العدالة. ولكي يتوافر النموذج القانوني لجريمة عرقلة سير العدالة فإن هناك أركاناً يتعين توافرها وفقاً لما يستخلص من نص المادة (25) من الإتفاقية.

1- الركن المفترض: ويتمثل في أن تنصب أفعال التهديد أو الترحيب أو العنف ضد شاهد أو موظف منوط به تطبيق القانون من ناحية وأن يكون ذلك بشأن الإجراءات المتعلقة بإحدى جرائم الفساد المنصوص عليها في الإتفاقية .

2- الركن المادي: ويتمثل في استخدام مظاهر التأثير المختلفة لكي يحيد الشاهد عن شهادته أما بالشهادة الزور أو بدفعه لعدم الإدلاء ابتداء بشهادته أو فيما يتعلق بما تحت يديه من أدلة بشأن ارتكاب إحدى جرائم الفساد المشمولة بالاتفاقية.

3- الركن المعنوي: وينبغي أن يتوافر في صورة العمد كما ورد في المادة (25) من الإتفاقية. ويعني ذلك أن يكون السلوك المكون للركن المادي للجريمة إراديا مع علم الجاني بأن ما يقوم به من عنف أو تهديد أو ترهيب أو وعد بجريمة إنما يهدف التأثير على الشاهد أو الموظف.

ويلاحظ إن التجريم الوارد في التشريع العراقي يبدو متوافقاً مع التجريم الوارد في المادة (25) من الاتفاقية، وهو يتسم بالشمول بالنظر لفئات الأشخاص التي يسبغ عليها الحماية.

اما المسؤولية الجزائية عن جرائم الفساد فتخضع جرائم الفساد ككل الجرائم الأخرى لنفس القواعد والأحكام العامة في مجال المسؤولية الجزائية التي تترتب على وقوعها، وقد تضمنت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد رغم ذلك بعض الاحكام الخاصة بتقرير مسؤولية الاشخاص الاعتبارية عن جرائم الفساد وقد حاولت الاتفاقية ولو بصورة ضمنية ألا تكون الحصانات الوظيفية عائقاً أو حائلاً يحول دون تحقق المسؤولية الجزائية لمرتكبي جرائم الفساد. وهذا ما سيكون محور دراستنا في هذا المبحث إذ سنتناول على مستندين الأول المسؤولية الجزائية للأشخاص الاعتبارية. أما الثاني فيكون محوراً لدراسة المدى اعتبار الحصانات الوظيفية قيوداً للملاحقة الجزائية للمتهمين بارتكاب جرائم الفساد.

أولا: المسؤولية الجزائية للأشخاص الاعتبارية

والتي يعد الأخذ بالمسؤولية الجزائية للأشخاص الاعتبارية أو المعنوية ضرورة تقتضيها مكافحة الفساد الذي يضع في اطار مؤسسات القطاع الخاص والكيانات الاقتصادية والمؤسسات المصرفية الأخرى. وإذا كان تقرير المسؤولية الجزائية لمثل هذه الكيانات أو الأشخاص الاعتبارية لن يفضي بطبيعة الحال الى تطبيق العقوبات السالبة للحرية التي لا يتصور تطبيقها إلا بالنسبة للأشخاص الطبيعية فأن هذا لا يمنع تطبيق جزاءات من نوع آخر كالمصادرة أو الغرامة أو حرمانه من مزاولة نشاطه ولو لمدة مؤقتة أو الوقف أو الحل. كما ان الأخذ بالمسؤولية الجزائية للأشخاص الإعتبارية عن إحدى جرائم الفساد لا يمنع في ذات الوقت من توافر المسؤولية الجزائية للأشخاص الطبيعية التي يتسبب اليها قانوناً أرتكاب أحدى هذه الجرائم ، وقد كرّست المادة (26) من الإتفاقية مبدأ المسؤولية القانونية للأشخاص الاعتبارية في صورها المعروفة الجزائية والمدنية والإدارية وذلك على نحو يمكن فيه اخضاعها العقوبات جزائية أو غير جزائية. وتنص المادة (26) المشار إليها على إن:

أ- تعتمد كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير تتفق مع مبادئها القانونية لتقرير مسؤولية الشخصيات الاعتبارية عن المشاركة في الأفعال المجرمة وفقاً لهذه الإتفاقية.

ب- رهناً بالمبادئ القانونية للدولة الطرف يجوز أن تكون مسؤولية الشخصيات.

ج- لا تمس تلك المسؤولية بالمسؤولية الجزائية للشخصيات الطبيعية التي ارتكبت الجرائم.

د- تكفل كل دولة طرف على وجه الخصوص اخضاع الشخصيات الاعتبارية التي تلقى عليها المسؤولية وفقاً لهذه المادة لعقوبات جزائية أو غير جزائية فعالة ومتناسبة ورادعة بما فيها العقوبات النقدية.

وقد عمد التشريع العراقي لتكريس مبدأ المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية في اطار الإحكام العامة لقانون العقوبات بما يجعل منها مبدأ ينطبق على كل الجرائم التي يتصور وقوعها بمناسبة النشاط الذي تمارسه هذه الأشخاص فقد نصت المادة (8) من قانون العقوبات العراقي النافذ على (الاشخاص المعنوية فيما عدا مصالح الحكومة ودوائرها الرسمية وشبه الرسمية مسئولة جزائياً عن الجرائم التي يرتكبها ممثلوها أو مديروها أو وكلاؤها لحسابها أو باسمها. ولا يجوز الحكم عليها بغير الغرامة والمصادرة والتدابير الاحترازية المقررة للجريمة قانوناً فإذا كان القانون يقرر للجريمة عقوبة أصلية غير الغرامة أبدلت بالغرامة ولا يمنع ذلك من معاقبة مرتكب الجريمة شخصياً بالعقوبات المقررة للجريمة في القانون).

ثانياً: الحصانات الوظيفة:

يتطلب أداء الوظيفة العامة أحياناً الاعتراف للموظفين أو لفئة منهم بعض الحصانات الوظيفة التي تمكنهم من أداء مهامهم وواجباتهم على النحو المطلوب ولا تعد هذه الحصانات الوظيفية في حقيقتها موانع للمسؤولية الجزائية أو للعقاب ولكنها تمثل قيوداً أو إجراءات على تحريك الدعوى الجزائية ضدهم عن الجرائم التي يرتكبونها بسبب أو بمناسبة وضيفتهم واذا كانت جرائم الفساد تعد في الغالب من الجرائم التي تقع بسبب او بمناسبة أداء النشاط الوظيفي، فقد حاولت إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أن تحد من مثل هذه الحصانات أو الامتيازات دون أن تلغها تماماً آخذة بذلك موقفاً وسطاً بين ضرورات هذه الحصانات من ناحية وبين مقتضيات فاعلية الملاحقة الجزائية عن جرائم الفساد من ناحية أخرى. ويستخلص هذا الموقف مما تنص عليه المادة (30) فقرة (2) من الاتفاقية من أن ((تتخذ كل دولة طرف وفقاً لنظامها القانوني ومبادئها الدستورية ما قد يلزم من تدابير لإرساء أو إبقاء توازن مناسب بين أي حصانات أو امتيازات قضائية ممنوحة لموظفيها العموميين من أجل أداء وظائفهم وإمكانية القيام عند الضرورة بعمليات تحقيق وملاحظة ومقاضاة فعالة في الأفعال المجرمة وفقاً لهذه الإتفاقية)) ، ليكون منح الموظفين أو بعض فئات منهم حصانة أو امتيازاً يحد من مساءلتهم أو ملاحقتهم الجزائية عن الجرائم التي تقع منهم بسبب أو بمناسبة عملهم الوظيفي لا يبدو متسقاً من الناحية القانونية مع المبادئ الحديثة وأهمها مبدأ المساواة أمام القانون الجزائي ولا متفقاً مع الناحية الواقعية مع ضرورات مكافحة الفساد، فهذه الحصانات أياً كانت تسميتها أو نطاقها تميز في المركز الإجرائي بين الأفراد المتهمين بمخالفة أحكام القانون الجزائي، ولا يبرر ذلك التذرع بمبدأ الفصل بين السلطات أو ضمان استقلال السلطة التنفيذية في مواجهة السلطة القضائية، أما من الناحية الواقعية فان هذه الحصانات أياً كان تسميتها تعرقل الكشف عن جرائم الفساد أو تحد من فاعلية إجراءات التحقيق والملاحظة في مواجهة مرتكبي جرائم الفساد لاسيما وان هذه الحصانات مضافاً اليها ما يتمتع بها كبار الموظفين من سلطة فعلية تتمثل في الغالب عائقاً يحول دون تعزيز الأدلة ويسهم في بطء إجراءات الكشف عن الحقيقة ،ومن جانب اخر فان التشريع العراقي قد عمد من خلال قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم( 23) لسنة 1971، متبنياً نظام الحصانة لموظفي الدولة فقد نصت المادة (136) فقرة (ب) من القانون المذكور على (( لا يجوز إحالة المتهم على المحكمة في جريمة ارتكبت أثناء تأدية وظيفته الرسمية أو بسببها إلا بإذن من الوزير التابع له مع مراعاة ما تنص عليه القوانين الأخرى)) ،وكذلك الامر بمقتضى المادة (25) من قانون انضباط موظفي الدولة الملغي رقم (67) لسنة 1976 لا يجوز لقاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية ومن ثم القيام بأي إجراء من إجراءات التحقيق ما لم يقرر الوزير أو اللجنة أو المجلس العام ذلك ،إلا أن قانون انضباط موظفي الدولة النافذ رقم( 14) لسنة 1991 لم يتضمن مثل هذا النص وهذا مما يدلل على رغبة المشرع في رفع الحصانة عن الموظفين الذين يعملون في القطاع العام. ومن جهة أخرى وجد المشرع العراقي أن في إبقاء الفقرة (ب) من المادة (136) أصول تعارض مع أحكام الأمر رقم (55) لسنة 2004 الخاص بمفوضية النزاهة العامة، إذ يؤدي تطبيقها إلى هدر التحقيقات التي تقوم بها المفوضية عند عدم موافقة الوزير المختص على إحالة قضايا الفساد إلى المحكمة المختصة كما يشترط هذه الفقرة وكذلك لغرض تطبيق مبدأ سيادة القانون على جميع المواطنين من دون محاباة لذا فقد عمد إلى الغاء هذه الفقرة استناداً إلى قانون تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) وعليه فيمكننا أن ننتهي بالقول إلى أن التشريع العراقي لا يمنح أي حصانة إجرائية تحد من ملاحظة الموظفين فيما يرتكبونه من جرائم فساد تتعلق بعملهم الوظيفي فيمكن تحريك الدعوة الجزائية ضد أي موظف ولو بشأن جريمة تتعلق بوظيفته دون حاجة لطلب أو أذن جهة الإدارة التي ينتمي إليها.

اما بما يتعلق بالنظام الجزائي لجرائم الفساد

فبتناول المبادئ العامة للنظام الجزائي بشأن جرائم الفساد والعقوبات التي اقرتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وهي الصادرة والعقوبات التبعية والجزائية المدنية وهي على النحو الاتي :

أولا: المبادئ العامة للنظام الجزائي لجرائم الفساد

لم تضع اتفاقية مكافحة الفساد عقوبة محددة لجرائم الفساد وهو أمر طبيعي حيث يترك ذلك للتشريعات الداخلية، فقد نصت الفقرة الأولى من المادة (30) من الاتفاقية على أن ((تجعل كل دولة طرف ارتكاب فعل مجرم وفقاً لهذه الإتفاقية خاضعاً لعقوبات تراعي فيها جسامة ذلك الجرم)). وهذا وأن أهم المبادئ التي يتسم بها النظام الجزائي لجرائم الفساد وفقاً لما يستخلص من أحكام الإتفاقية تتمثل بالآتي:

1- تنوع العقوبات والتدابير التي تضمنها النظام الجزائي:

اشتملت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على جزاءات ذات طبيعة مالية مثل المصادرة (م 31) والتعويض على الأضرار (م 35). فضلاً على الجزاءات ذات الطبيعة المدنية الخالصة مثل إلغاء أو فسخ العقود (م 34). كما أجازت اتخاذ بعض التدابير المؤقتة مثل تنحية الموظف العمومي أو وقفه عن العمل أو نقله الفقرة (6) المادة (30) وتضمنت الإتفاقية أيضاً بعض العقوبات التبعية الأخرى مثل حرمان الشخص الذي صدر حكم بإدانته من تولي الوظائف أو المناصب العمومية الفقرة (7) من المادة (3). فضلا عن كل ذلك فقد نصت الإتفاقية على هذه الجزاءات لا تمنع من توقيع الجزاءات التأديبية في مواجهة المستخدمين المدنيين (فقرة (8) (م 30) وهذا كله بالإضافة الى العقوبات السالبة للحرية المنصوص عليها في التشريعات الداخلية والتي ما زالت تعد العماد الأساسي في هذا الشأن.

2- مراعاة التقرير الجزائي:

ويعني ذلك أن يراعي في تقدير العقوبة المقررة مدى جسامة الجرم والأضرار المترتبة عليه( ) وقد أشارت لذلك الفقرة الأولى من المادة (3) من الإتفاقية. (تجعل كل دولة طرف ارتكاب فعل مجرم وفقاً لهذه الاتفاقية خاضعاً لعقوبات تراعي فيها جسامة ذلك الجرم). كما أشارت الاتفاقية أيضاً إلى مراعاة مبدأ التفرد في مرحلة التنفيذ العقابي لاسيما فيما يتعلق بالإفراج الشرطي. فتنص الفقرة الخامسة من المادة (30) من الإتفاقية على أن (تأخذ كل دولة طرف بعين الإعتبار جسامة الجرائم المعنية لدى النظر في إمكانية الإفراج المبكر أو المشروط عن الأشخاص المدانين بارتكاب تلك الجرائم).

3- احترام حقوق الدفاع وقرينة البراءة

ومؤدى ذلك ألا يترتب على توقيع بعض التدابير أو الإجراءات بحق الموظفين المتهمين بإركاب إحدى جرائم الفساد المشمولة بهذه الاتفاقية الإخلال بحقوق الدفاع أو مبدأ افتراض البراءة. ففيما يتعلق بإحترام حقوق الدفاع يبدو ان الاتفاقية تميل ضمنياً الى الأخذ ببدائل تغني عن التوقيف لضمان حضور المدعى عليه الإجراءات الجزائية. إذ تنص المادة (30) فقرة (4) من الإتفاقية على أنه (في حالة الأفعال المجرمة وفقاً لهذه الاتفاقية تتخذ كل دولة طرف تدابير مناسبة وفقاً لقانونها الداخلي ومع إيلاء الاعتبار الواجب بحقوق الدفاع لضمان أن تراعي الشروط المفروضة بخصوص قرارات الإفراج الى حين المحاكمة أو الاستئناف ضرورة حضور المدعى عليه في الإجراءات الجنائية اللاحقة)، أما بالنسبة لإحترام قرينة البراءة فانه يمثل قيداً يحد من سلطة اتخاذ بعض التدابير التحفظية مثل وقف الموظف عن أداء عمله الوظيفي لحين انتهاء محاكمته، في هذا المعنى تنص الفقرة السادسة من المادة (30) من الاتفاقية على أن ((تنظر كل دولة طرف، بما يتوافق مع المبادئ الأساسية لنظامها القانوني في ارساء إجراءات تجيز للسلطة المختصة عند الاقتضاء تنحية الموظف العمومي المتهم بإركاب فعل مجرم وفقاً لهذه الاتفاقية أو وقفه عن العمل أو نقله مع مراعاة مبدأ افتراض البراءة)).

ثانياً: عقوبة المصادرة

1- مفهوم عقوبة المصادرة:

والتي تتمثل بعقوبة مالية تتمثل في نزع ملكية المال العائدة الى الجاني بغير مقابل وإضافتة الى ملك الدولة وترد المصادر على الأموال المتحصلة من الجريمة وكذلك على الأموال أو الأشياء التي تعد حيازتها أو صناعتها أو استعمالها أو بيعها أو عرضها للبيع جريمة في ذاتها كالمواد المخدرة والنقود المزيفة ،اذ تعد المصادرة هنا حجر الزاوية في قلب النظام العقابي لجرائم الفساد حيث لا تقل ردعاً عن العقوبات السالبة للحرية، لأنها تعني ببساطة حرمان الجناة من كل ثمار وعائدات مشروعهم الإجرامي. وقد تصدرت الفقرة ( ذ ) من المادة الثانية للإتفاقية لتعريف المصادرة بقولها ((يقصد بتعبير المصادرة التي تشمل التجريد حيثما إنطبق الحرمان الدائم من الممتلكات بأمر صادر عن محكمة أو سلطة مختصة أخرى))

2- محل المصادرة

اذ يستفاد من نص الفقرة الأولى من المادة (31) من الاتفاقية ان المصادرة كعقوبة تطبق بشأن جرائم الفساد المشمولة بالاتفاقية تشمل ما يلي:

أ- العائدات الإجرامية المتأتية من أفعال مجرمة وفقاً لهذه الإتفاقية أو ممتلكات تعادل قيمتها قيمة تلك العائدات. ويقصد بتعبير العائدات الإجرامية وفقاً للفقرة (هـ) من المادة الثانية للإتفاقية الخاصة بتحديد المصطلحات ((أي ممتلكات متأتية أو ستحصل عليها بشكل مباشر أو غير مباشر من إرتكاب جرم)). ومؤدى ذلك ان المصادرة تنصب ليس فقط على الأموال المتحصلة مباشرة عن إحدى جرائم الفساد مثل الأموال الذي اختلسها الموظف أو مبلغ الرشوة الذي حصل عليه، بل تشتمل المصادرة أيضاً ما عادل قيمة هذه الأموال ويعني ذلك كافة الممتلكات الأخرى التي آلت إليها عائدات الفساد سواء تم ذلك بإستخدام وسائل وتقنيات غسل الأموال أو بإستخدام الطرق العادية لتغيير هيئة هذه العائدات.

ب- الممتلكات أو العائدات أو الأدوات الأخرى التي استخدمت أو كانت معدة للإستخدام في إرتكاب أفعال مجرمة وفقاً لهذه الإتفاقية. وهي تشتمل كل ما يتصور أن يكون قد أستخدم بالفعل في إرتكاب إحدى جرائم الفساد كالرشوة أو الإختلاس أو الكسب الغير المشروع أو كان معداً لكي يستخدم في إرتكاب إحدى هذه الجرائم حتى ولو يستخدم بالفعل. ومن الجدير بالذكر قد اعتبر المشرع العراقي عقوبة المصادرة بأعتبارها احدى صور العقوبات التكميلية في المواد (101- 107)

ثالثاً: العقوبات التبعية

يترتب على الحكم بأدانه أحد الأشخاص عن إحدى جرائم الفساد وتوقيع بعض العقوبات التبعية في مواجهته مثل حرمانه من حق تولي الوظائف العمومية أو بعض حقوقه المدنية لفترة زمنية. وتطبق هذه العقوبات بمعزل عن العقوبات الأخرى مثل عقوبة سلب الحرية أو الغرامة. وقد نصت المادة (30) فقرة (7) من الإتفاقية على أن ((تنظر كل دولة طرف حينما تسوغ جسامة الجرم ذلك، وبما يتوافق مع المبادئ الإساسية لنظامها القانوني في إتخاذ إجراءات إسقاط الأهلية بأمر قضائي أو بأي وسيلة مناسبة أخرى ولفترة زمنية يحددها قانونها الداخلي عن الأشخاص المدانين بإرتكاب أفعال مجرمة وفقاً لهذه الإتفاقية للقيام بما يلي:

أ- تولي منصب عمومي. ب- تولي منصب في منشأة مملوكة كلياً أو جزئياً للدولة)).

رابعاً: الجزاءات المدنية

يترتب على حكم الإدانة عن إحدى جرائم الفساد توقيع جزاءات مدنية بالإضافة الى العقوبات الجزائية وتتمثل هذه الجزاءات في التعويض عن الأضرار الناشئة عن جرائم الفساد (م 35 من الإتفاقية) وفسخ العقود وإلغاء الامتيازات(م 24من الإتفاقية) ،ففيما يتعلق بجزاء التعويض عن الأضرار الناجمة عن جرائم الفساد تنص المادة (35) من الإتفاقية على أن ((تتخذ كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير وفقاً لمبادئ قانونها الداخلي لضمان حق الكيانات أو الأشخاص الذين أصابهم ضرر نتيجة لفعل فساد في رفع دعوى قضائية ضد المسؤولين عن أحداث ذلك الضرر بغية الحصول على تعويض. ويتضح من النص أعلاه أن الحق في التعويض عن الأضرار الناشئة عن جرائم الفساد مقرر للأشخاص الطبيعيين كما هو مقرر أيضاً للأشخاص المعنويين سواء كانت عامة أم خاصة ويطبق على حق المطالبة بالتعويض المبادئ والأحكام العامة المنصوص عليها في القانون الداخلي للدولة. ومؤدى ذلك بطبيعة الحال أن تتوافر عناصر المسئولية المدنية الموجبة للتعويض من خطأ وضرر وعلاقة سببية ، اما ما يتعلق بفسخ العقود وإلغاء حقوق الإمتياز لجزاءات مترتبة على جرائم الفساد فقد وردت ضمن المادة (34) من الإتفاقية تحت عنوان (عواقب أفعال الفساد) والتي تنص على أنه (مع إيلاء الاعتبار الواجب لما اكتسبته الأطراف الغير من حقوق بحسن نية، اذ تتخذ كل دولة طرف وفقاً للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي تدابير تناول عواقب الفساد،وفي هذا السياق يجوز للدول الأطراف أن تعتبر الفساد عاملاً ذا أهمية في إتخاذ إجراءات قانونية للإلغاء أو فسخ عقد أو سحب إمتياز أو غير ذلك من الصكوك المماثلة أو اتخاذ أي إجراء آخر)،ومن الجدير بالذكر أن هذه الإجراءات غير الجزائية المنصوص عليها في المادة (34) من الإتفاقية غير محددة على سبيل الحصر، حيث أورد النص صوراً لها ثم أعقب ذلك بعبارة (أو أي إجراء آخر)) وهي تفترض حال تطبيقها توافر الأسباب القانونية الموجبة لها مثل إبطال أو فسخ العقود القانونية وتبقى إمكانية تطبيق مثل هذه الجزاءات منوط في ظل الإتفاقية بأمرين:

أولهما: عدم المساس بحقوق الغير حسني النية التي تكون قد اكتسبت مثلاً وفقاً لأحد العقود وهذا مبدأ عام سبق الإشارة إليه في مواضع أخرى من الاتفاقية كما في حالة المصادرة (الفقرة (9) من المادة (31) من الإتفاقية).

وثانيهما: مراعاة المبادئ الأساسية للقانون الداخلي للدولة حيث من المتصور أن تختلف النظم التشريعية من دولة لأخرى في هذا الشأن.

وقد اعتمد المشرع العراقي الجزاءات المدنية لمواجهة ظاهرة الفساد لاسيما في القوانين الخاصة منه , فقد نصت الفقرة الرابعة من المادة (62) من قانون البنك المركزي العراقي لسنة 2004 على ( لا تحول العقوبات الإدارية المنصوص عليها في هذه المادة والتي يفرضها البنك المركزي العراقي من اتخاذ أي اجراءات مدنية او جنائية لمحاسبة هذا الشخص تقضي بها احكام أي قانون اخر ) . وكذلك ما نصت عليه ايضا الفقرة (5) من المادة (56) من قانون المصارف العراقي لسنة 2004 واذ تنص على ( لا يمنع فرض البنك المركزي العراقي أي من الاجراءات او العقوبات الادارية المنصوص عليها في هذه المادة قيام مساءلة مدنية او جزائية لاحكام أي قانون اخر ).

ومما تقدم ومن مجمل ما تم بحثه لموضوع النموذج القانوني لجرائم الفساد , نجد ان المشرع العراقي فيما يتعلق من المبدأ قد كان متوائما مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2004 سواء كان ذلك على صعيد القوانين العامة أو القوانين الخاصة ولم يبتعد عن أحكام الاتفاقية إلا على سبيل الاستثناء. فمن خلال دراستنا لإحكام هذه الاتفاقية وتحليل نصوصها ومقارنتها مع التشريع العراقي وجدنا أن هناك من الأحكام ما يجب أن تتضمنه التشريعات العراقية لاسيما وان العراق قد أصبح عضو في هذه الاتفاقية ،عليه فبناء مما تقدم نجد ان تقنين نصوص خاصة بتجريم أو تشديد العقوبات بشان جرائم الرشوة المقدمة من الكيانات التي تمثل أشخاص معنوية التي لها نفوذ أو اثر فاعل في الفساد الإداري أو المالي تتميز عن تلك النصوص التي عالجت أحكام الرشوة وفقا للمبادئ العامة في قانون العقوبات تشريع قوانين خاصة بمساءلة الموظفين الدوليين الذين يعملون في المنظمات أو إلهيات الدولية أو الإقليمية والتي لها مقرات داخل العراق تقنين نصوص خاصة باستغلال النفوذ أو الاتجار بالنفوذ وذلك لما يمثله من خطر جسيم ذات اثر على البنى التحتية الاقتصادية في العراق الذي يشهد تطورا ملحوظا في الآونة الأخيرة تشريع قوانين خاصة بالكسب غير المشروع تتضمن عقوبات صارمة تردع الأشخاص أو الموظفين الذين يلجؤا إلى استغلال الوظيفة وجعلها الوسيلة غير المشروعة للتربح المادي تشريع قانون خاص بمفوضية النزاهة وذلك لما يعتري هذا القانون من أخطاء قانونية ولغوية فضلا عما جاء به من هيكلية والاختصاصات لا تتفق مع الإستراتيجية الواجب إتباعها في مكافحة الفساد في العراق تنمية العلاقات من المنظمات الدولية ذات العلاقة بمكافحة الفساد وترسيخ الشفافية وغسيل الأموال وخاصة منظمة الشفافية الدولية والمشاركة في جهود البنك الدولي في مجال مكافحة الفساد وتنمية قدرات ومهارات الموظفين العموميين العلمية والإدارية والفنية ، ولا سيما ان هذه الظاهرة باتت ظاهرة عالمية واسعة الانتشار اخذة ابعاد تتداخل فيها عوامل متعددة وهو ما يدفع لتفعيل التعاون الدولي في انفاذ تلك الاتفاقيات وعلى نحو يضمن تطبيقها بشكل فعال.

د. ايناس عبد الهادي الربيعي مركز الدراسات الاستراتيجية

 

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى