مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

التكيف والتطور طاقة نووية لاستمرار التنظيمات الجهادية

تنظيما “القاعدة” في العراق “داعش”، ايديولوجيات من الولادة والبقاء، اذ تعمّدت بالدماء وبروح الجماعة،  تلك التنظيمات منذ النشوء والولادة الى بناء المعتقد وفق الاباء المؤسسين – منظري القاعدة وداعش ـ على اساس الجماعة المؤسسة ، اي السلف الصالح والرؤية الثورية الجهادية المبنية على ” الحاكمية والولاء والبراء”، الامر الذي يضمن تكيف التنظيمات في المراحل الصعبة التي تمر بها؛ وهي التصدي للارهاب ومقتل قياداته البارزة، الى ايجاد بيئات موازية في التجنيد ومصادر التمويل المهيّئة لشن الهجمات وقد يصل الى الامر الى خلق بيئة بديلة تتغير فيها منهجية الصراع من “الدولة والولاية” على الارض الى التمكين الافتراضي والانتشار الذي يتبلور على شكل عمليات عنقودية “كما هو نهج القاعدة” او “خلايا خيطية منفردة” تعمل بمعزل عن مثيلاتها؛ لضمان التمويه وانفصال الارادات الذي يحول دون استهدافها مجتمعة او بتسلسل عملياتي عسكري.

الاعلان عن الولادات الجهادية

توظيف النص القراني في ادبيات التنظيمات، ومنها مصطلح الارهاب، حيث يذهب الجهاديون المتشددون الى رؤية مغايرة في تاويل النص وفقا لمقتضى الرسالة الجهادية، فهي ترى الاية الكريمة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) الاية 60 سورة الانفال.

اذ توظَّف هذه الاية الكريمة بانها طبول الحرب، اي التصعيد العسكري الذي يسبق الحرب او كما يسمى “الغزوات”، فالارهاب في مفهوم الجماعات المتشددة هو انزال الخوف في نفوس العدو قبل المعركة، اي استخدام العصف النفسي لزلزلة اقدام الاخرين ما يمهد لاظهار القوة المفرطة والوحشية ودب الخوف والذعر الى الانكسار المعنوي في الصفوف، ومن الامثلة القريبة على ذلك هو مجزرة سبايكر، التي حصلت في  شهر حزيران من العام 2014، والتي تم فيها اقتياد مجاميع من الطلبة العسكريين من معسكر سبايكر(شمال غرب مدينة تكريت)، وسوقهم على طريقة سوق الاضاحي، وقتلهم بوحشية ما اظهرته الكاميرا، ومن ثم ترويج المقاطع المصورة للمجزرة في الاعلام ووسائل التواصل، تلك الحادثة التي مثلت نقطة الشروع لتظيم داعش باكثر الوسائل دموية متمثلة بالعصف النفسي، وحسب توظيفهم لها بمسمى “الارهاب”.

وقد تكررت هذه المنهجية مرة اخرى في العام 2016 في شهر ت1، حيث بثت مواقع التنظيم مقاطع فيديو لمجزرة سبايكر من زوايا اخرى، لم يتم عرضها في المرة الاولى في شهر حزيران من العام 2014، وكانت اثناء الشروع بعمليات “قادمون يا نينوى”

لتحرير مدينة الموصل “عاصمة الخلافة”، حاول التنظيم مرة اخرى ان يعصف القوات المحررة ويوجه رسالة للاعلام تحمل في طياتها الكثير، منها؛ امتلاك التنظيم للصولة الاقوى والاولى، وان التنظيم ما زال قادرا على ايقاع الخسائر الفادحة كما في سبايكر.

مثال اخر اقرب هو ساحة الطيران، التفجير المزدوج في 21 شباط مطلع العام الجاري في قلب العاصمة بغداد، الذي اشتمل على عدة رسائل للداخل العراقي والاقليم والعالم، رسائل كثيرة منها؛ اعلان مبكر لسلالة هجينة او ولادة جديدة، ودعوة للالتحاق.

من جانبها الحكومة العراقية تعامليت مع تلك الرسائل بوتيرة اقوى، كانت تلك الوتيرة هي استهداف قيادات التنظيم وعلى رأسها ما يسمى بوالي العراق ونائب الخليفة ( ابو ياسر العيساوي) في وادي الشاي جنوب كركروك، والذي يعد احد اخطر مثلثات الموت التي يجنح لها التنظيم، وتلاه استهداف المدعو ( ابو حسن الغريباوي) والي الجنوب ومهندس عمليات التفجير في وسط وجنوب العراق لست سنوات ماضية وعلى راس عملياته “ساحة الطيران” التفجير الانتحاري المزدوج في قلب بغداد العاصمة.

التهديد المستمر من تنظيمي “القاعدة وداعش” حسب تقرير الامم المتحدة:

الاتجاهات الرئيسية في مشهد التهديدات

تمثل التطور البارز الأول الجدير بالذكر بالهزيمة العسكرية التي مني بها تنظيم «داعش» والتي اكتملت في شرق سوريا خلال آذار 2019. ورغم أن سقوط الباغوز شكّل هزيمة “الخلافة الجغرافية”، إلا أنه سرّع أيضاً تحركاً أكبر مما كان متوقعاً لمقاتلي تنظيم «داعش» وأنصاره وعوائله ولاجئين وأشخاص مشردين آخرين. وفي ضوء التشرد الداخلي الجماعي والاكتظاظ في مخيمات اللاجئين على غرار مخيم “الهول” وترتيبات الحجز الهشة، من الضروري إيلاء الاهتمام للتحديات الإنسانية والأمنية بشكل عاجل. غير أن الحلول الواضحة والشاملة والمتعددة الأطراف لا تزال بعيدة المنال. 

أما الحدث الثاني الذي أعتقد أنه يستحق تسليط الضوء عليه فهو تفجيرات عيد الفصح التي تعرضت لها سريلانكا حيث استُهدفت ثلاث كنائس وثلاثة فنادق فخمة في كولومبو، تلتها انفجارات أصغر حجماً في مجمع سكني في ديماتاغودا ودار ضيافة في ديهيوالا. وتُعتبر الهجمات التي أوقعت عدداً كبيراً من الضحايا – إذ لقي 259 شخصاً حتفهم، بمن فيهم 25 مواطناً أجنبياً – خير دليل على هيكلية تنظيم «داعش» التي تصبح لامركزية بشكل متزايد وقاعدة دعمه الدولية. ويُظهر تبني التنظيم مسؤولية الهجمات عبر “وكالة أعماق الإخبارية” في 23 نيسان 2019 وتأثر المهاجمين بأيديولوجيته قدرته على الاستمرار والتجنيد وغرس الأفكار المتطرفة في الخارج، حتى في الوقت الذي لا يقود فيه التنظيم الهجمات أو يتحكم بها بشكل مباشر.

وبالفعل، لم تكن قيادة تنظيم «الدولة الإسلامية» على علم مسبق بهجمات عيد الفصح. ولم يكن تطرق “الخليفة أبو بكر البغدادي” إلى الحادثة في أواخر نيسان سوى رد متأخر. ومع ذلك، ظهرت جماعة متأثرة بـ تنظيم «داعش» في سريلانكا وطورت قدرات كبيرة. وبالرغم من الصلات الخارجية، تأسست الخلية محلياً وحظيت بتمويل وقيادة محلييْن أيضاً. 

وكانت قيمة الصدمة التي أحدثتها هجمات سريلانكا ونطاقها بمثابة دفع إيجابي للتهديد الإرهابي المحلي. ومن المرجح أن تزداد الهجمات المتأثرة بأسلوب تنظيم «داعش» (رغم أنه يؤمل أن لا تكون بنفس نطاق هجمات سريلانكا) خلال عام 2020 وأن يحفزها الانتقام لمقتل البغدادي. ومع ذلك، نظراً لأنه لا يُعوَّل على هذه الهجمات وتميل إلى أن تكون غير موثوق بها وتترك أثراً ضئيلاً نسبياً، فقد يقوم تنظيم «داعش» أيضاً بإحياء قدراته على تنفيذ عمليات في الخارج.   

التهديد المستمر في العراق وسوريا

اليوم، لا تزال عملية بسط الاستقرار وإعادة الإعمار بطيئة في العراق وسوريا. كما أن التوترات السياسية لا تسهل هذه الخطوة.

يتم إنشاء شبكة تنظيم «داعش» السرية في سوريا على مستوى المحافظات، في تكرار لما شهدناه في العراق منذ عام 2017. ويسعى التنظيم في معقله الرئيسي إلى التكيّف وترسيخ وجوده وإيجاد الظروف المناسبة لبروزه من جديد في نهاية المطاف. وبما أن ثقة التنظيم تزداد، أصبح يعمل بشكل أكثر علنيةً. 

ويشكّل شمال غرب سوريا قاعدة للكثير من المتطرفين، بمن فيهم المقاتلون الإرهابيون الأجانب. وكما أشار التقرير الأخير الصادر عن “فريق الرصد”، تواصل الدول الأعضاء تقييمها بأن ما بين نصف وثلثيْ الأفراد الذين يتخطى عددهم 40 ألف مقاتل ممن انضموا إلى “الخلافة” لا يزالون على قيد الحياة. 

ولن تكون عودة الأمور إلى طبيعتها في العراق وبلاد الشام سهلةً. وفي ظل غياب الاستقرار السياسي، سيستغل الإرهابيون الفراغ في السلطة.

القيادة والتخطيط لتنظيم «داعش»: من البغدادي إلى القرشي

شكّل مقتل أبو بكر البغدادي في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر حدثاً رئيسياً آخر طبع عام 2019. وقبل مقتله في باريشا، حثّ أنصاره على بذل الجهود من أجل تحرير مقاتلي تنظيم «داعش» وعوائلهم الموجودين في منشآت في شمال شرق سوريا، على غرار مخيم الهول للاجئين. 

وبالفعل، يختبئ الكثير من قادة تنظيم «داعش» في العراق وسوريا. ويميّز التنظيم بين عناصره؛ ففي حين يُعتبر الجنود الميدانيون، بمن فيهم الكثير من المقاتلين الإرهابيين الأجانب، غير أساسيين ويمكن الاستغناء عنهم، يحرص التنظيم على الحفاظ على أمن كبار القادة. ومن هذا المنطلق، يجري تفضيل القادة السوريين والعراقيين على نظرائهم الأجانب. 

وقد يقضي هذا السلوك المتعالي إلى حدّ ما الذي ينتهجه التنظيم تجاه فرقه الأجنبية على أي فرص مستقبلية. فعلى عكس العمليات العادية في معقله الرئيسي وبعض المحافظات البعيدة، لا تزال الهجمات الدولية الموجهة أقلّ بكثير من المستويات المسجلة في عاميْ 2015/2016 تماماً كعدد الهجمات المسهلة والموعز بها من التنظيم. 

وقد لا ينعكس هذا التراجع في وتيرة العمليات الخارجية قريباً، لكن مع توفر الوقت والمجال من أجل إعادة رصّ صفوف «داعش» وإعادة تنظيمه ضمن ملاذه الآمن، سيشكّل التنظيم مجدداً تهديداً منظماً. وما إن يضمن صموده، سيعيد تنظيم «دتعش» الاستثمار في قدراته على شنّ عمليات خارجية، في أماكن غير متوقعة على الأرجح. وقد رأينا مؤشرات على حصول ذلك مع تنظيمي «داعش» و «القاعدة». 

وبعد الإعلان عن تنصيب أبو إبراهيم، نظم المكتب الإعلامي المركزي لـ تنظيم «داعش» من خلال منافذ دعائية سلسلة مبايعات من أتباع التنظيم الذين يدّعون أنهم في سيناء وبنغلادش والصومال وباكستان واليمن وولاية خراسان (أفغانستان) وعدد من الدول الأخرى. لكن تنظيم «داعش» سيواجه صعوبة في الحفاظ على هذا المستوى الأولي من الحماسة بشأن القرشي من دون تهديد أمن القائد الجديد.

ونظراً إلى أن ظهور القرشي في الإعلام قد يشكل خطراً على أمنه، فإن انتقال السلطة قد يسرّع بتفويض الصلاحيات من قيادة تنظيم «داعش» إلى فروعها، حتى لو تبيّن أن أبو إبراهيم هو حقاً المولى وبقيت استراتيجيته ثابتة.

من تقرير الامم المتحدة.

الاستثمارات السياسية للقاعدة وداعش.. داعش خاصة

ورقات عدة، سياسية داخلية ومنها خارجية قد يستثمرها تنظيم داعش لتبرير نشوء سلالة جديدة ونمو متصاعد في المنطقة العربية ـ حسب الاستطاعةـ ،منها؛ الاستفادة من تصادم الفرقاء السياسيين وشر الغسيل الاسود لبعضهم البعض في وقت تناسى فيه السياسيون ان هذه التنظيمات قد تخمل وتتلاشى لكنها لا تنتهي رسميا؛ نظرا لاعتماد التنظيمات هذه على القاعدة الجهادية العقائدية وليس الولاة والخلفاء والقادة ، الذين يتم استهدافهم بين الحين والاخر. ولعل ابرزها ملف المغيبين الذي تساوم به شخصيات سياسية وتلوح به بالقياس والتزامن مع اعلان موعد الانتخابات والمتغيرات السياسية الداخلية، الملف الذي يراد منه اذكاء الصراع اكثر مما هو الوصل الى الحلول والنتائج، اذ تشير منظمة هيومن رايتس ووتش ـعلى سبيل المثالـ الى ان اعداد المفقودين في العراق منذ اعلان التنظيم في حزيران 2014 الى الان بلغت قرابة 14000 مغيب، فيما تبارت شخصيات سياسية وكتل لتحميل الفراقاء الاخرين مسؤولية هذا الملف، مما زاد من امكانية التجنيد وتعاطف الطبقات المغرر بها مع التنظيم، كذلك توليد شحنة جهادية ثارية في المناطق الخاضعة لبعض القوى المسلحة المتاخمة لمساحات جغرافية معروفة بولائها لتنظيم داعش، مما يمهد لمد داعشي في ملف الاستقطاب والتجنيد وتفيذ عمليات عسكرية ضد مدنيين وعسكر ومنشأت حكومية، كثف بها التنظيم وجوده وعديده وعدته، فيما ياتي التنافس بين تنظيمي “القاعدة وداعش” لاثبات الوجود والاستحواذ عاملا مهما في استمرار تنفيذ عمليات عسكرية يتبناها تنظيم داعش للاعلان غير المباشر عن عائدية الجغرافيا الجهادية وعدم السماح لتنظيم “القاعدة” من تحصيل انتصارات تمهد لنشاط التنظيم في الجغرافيا الجهادية المتنازع عليها.

الخاتمة

الافكاربمختلف مناشئها، تبقى حية وهائمة كالارواح، بانتظار الوسائط الحاملة، فيما تقف بوجه الرصاص، فالرصاص لا يقتل الافكار؛ انما يقتل الحامل لها، لتنتقل الى حامل جيلي اخرعبى المدى البعيد والمتوسط والقريب

الانباء السارة، اذا ما قُرنت بديمومة التطرف تتحول الى لحظات أنية مفرحة، تليها الساعات الطوال الشاقة، هذا ما لمسه العراق بعد القاعدة فيما كانت القاعدة نفسها تمر بمخاضات ولادية انجبت داعش التنظيم الاكثر تعقيدا، فيما يتنافس التنظيمان ولاديا في فترتي مخاض خاصة لينتجا ولادتين منفردتين او ولادة هجينة تجمع ما بين الاستراتيجية والتكتيك والجيل العالمي ” الجيل المعولم للتنظيمات الجهادية”.

على صنّاع القرار لزاما وليس وجوبا ـ وفق ما يقتضي المنهج الاستدلالي ـ الاخذ بعين الاعتبار كافة العوامل المنجبة للتيارات المضادة؛ من عوامل سياسية وعقائدية واجتماعية وجغرافية، تبدا من العلاقات الخارجية الى العلاقات الداخلية الشانية الخاصة، عليهم وضع الوقاية المستقبلية المستدامة وفق اطر مدروسة وعقلائية تتمثل ببرامج اطفاء التمرد ونزع التطرف وما يسمى عالميا بـ”الاطفاء”،  واذا ما ظل تصنيف هذه البيئة كبيئة جاذبة للتيارات الراديكالية المتطرفة فليس هناك من غرابة اذا تدحرج عكسيا  الملف العراقي نحو الافغنة، البيئات هي انعكاس للسياسيات المحلية والاقليمية، وفي بلد كالعراق تعصف به الرياح الاقليمية فقد يجند نفسه يوما عراقا ليس للعراقيين فيه مأوى او كلمة.

وسيواجه المجتمع الدولي مخاطر على المدى القصير والمتوسط والبعيد إذا ما أسأنا إدارة هذه التحديات. فمحاربة التطرف هي مشكلة ستستمر لأجيال. وتُعتبر حادثة المقاتل الإرهابي الأجنبي الإندونيسي الذي قُتل في سوريا في عام 2018 – وهو نجل أحد الانتحاريين في تفجيرات بالي في عام 2002 – خير دليل على أن سوء التعاطي مع المظالم قد يؤجج عملية غرس الأفكار الراديكالية في نفوس هؤلاء المقاتلين وتجنيدهم على نحو مستمر. 

“مصدر سابق”

حسيني الاطرقجي صحفي وباحث مركز  الدراسات الاستراتيجية

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى