المقالات

المفهومُ الخاطئُ للتطوّرِ الفكري والثقافي لدى الشباب

بقلم: أُم باقر الربيعي

قال أميرُ المؤمنين الإمامُ علي (عليه السلام): “اعقلوا الخبرَ إذا سمعتموه عقلَ رعايةٍ لا عقلَ رواية؛ فإنّ رواةَ العِلمِ كثيرٌ ورُعاته قليل”(1).
من الأمورِ التي باتتْ تُقلِقُ مضاجعَ الآباءِ وتسلبُ لذيذَ الرقادِ من عيونِهم هو تفكيرُهم الدائمُ بالأبناء، لا سيما مع وجود سُبُلِ الانحراف التي أصبحتْ في مُتناولِ الأغلبِ الأعمِّ منهم، مع خوفهم المُستمر من البرامجِ التي تؤدّي إلى انحرافِ عقيدتِهم عن المسارِ الصحيح الذي خطّه الباري (جلَّ وعلا) لعباده، وتغييرِ أفكارِهم بأفكارٍ منكوسةٍ لا صحّةَ لها في الشريعةِ الغرّاء مؤطرةً بإطارٍ ديني، مُدخِلةً سمًّا نقيعًا يسري رويدًا رويدًا؛ ليصلَ من أعدَّ تلك البرامج إلى مبتغاهم الدنيء الذي خطّطوا لها بأساليبَ شيطانيةٍ، ولا زالوا يُخطِّطون باذلينَ الجُهدَ والمالَ وكُلّ ما من شأنِه أنْ يقضيَ على الإسلامِ والمُسلمين، وكذلك تغيير ثقافتهم؛ التي نشأوا وتربوا عليها بثقافةٍ غربيةٍ مدسوسةٍ..
ففي قولِ الإمامِ علي (عليه السلام) أمرٌ بتعقُّلِ الخبرِ، والتأكُدِ منه من المصادرِ الموثوقة؛ والتي عندنا هي من أُمّهاتِ الكتب، والمُعتمَد عليها في صِحّةِ الروايات، عقلَ رعايةٍ أيّ بحفظِه والعملِ به وتطبيقِه في الحياةِ بحذافيره؛ ليُعطيَ نتائجَ مرضيّة. ويظهرُ ذلك على الفردِ نفسِه أولًا، ومن ثم أسرتِه والمُحيطِ الاجتماعي ثانيًا، فيكونُ الوعيّ الفكري والثقافي سمتَه البارزة، لا عقلَ روايةٍ أيّ مُجرّد حفظِه من دونِ العملِ به.
وهذه –أي مجرد الرواية من دون وعي- طامّةٌ كُبرى؛ إذ ترى العالِمَ نفسَه جاهلًا بالعملِ بتلك الأخبار والروايات، فحينئذٍ على الإسلامِ والمُسلمين السلام، فكم وكم من حافظٍ للقرآنِ لا يعملُ به، وكم من عالِمٍ لا ينتفعُ بعلمِه!
إنَّ رواةَ العلمِ كثيرٌ؛ إلا أن رعاته قليل، وهذا ما نُشاهدُه من خلالِ التلفازِ عِبرَ الكثيرِ من القنوات؛ التي تُريدُ الشينَ للمُسلمين أو مواقعِ التواصُلِ الاجتماعي وما أكثرها في زماننا هذا، فنرى بعضَ الفئةِ الشبابيةِ تميلُ إلى تلك القناة أو ذلك العالمِ الذي يبثُّ علومَه بلا علمٍ ولا درايةٍ، أو من خلالِ عالَمٍ افتراضي مُتمثلٍ بمواقعِ التواصُلِ الاجتماعي، أو من خلالِ نشرِ بعضِ الرواياتِ والأحاديث؛ التي تُنسَبُ لأهلِ بيتِ العصمةِ والطهارةِ ولا تمتُّ إليهم بأيّ صلة، بل تُشوِّهُ صورةَ الدين وتجعلُ منه دينًا يألفُ الخُزعبلات ويأنسُ بسفكِ الدماء..
بالإضافةِ إلى القضاءِ على كُلِّ أسسِ الثقافةِ الإسلاميةِ، كتحيةِ السلامِ وإبدالِها بعباراتٍ بعيدةٍ كُلّ البُعدِ عن الإسلام، يظنونَ ويتوهّمون أنّ أفكارَهم وثقافتَهم في تطوّرٍ وتقدّم، وهذا مفهومٌ خاطئٌ يحتاجُ منهم الرجوعَ إلى القرآنِ الكريم وإلى أصلِ العلومِ ومنبعِها مُحمّدٍ وآلِه الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)؛ لأنّ من يعملُ وفقَ الأخبارِ الصحيحةِ قليلٌ، وهم الرُعاةُ الحقيقيون الذين ينتفعون بها وينفعون غيرهم..
المطلوبُ من الفئةِ الشبابيةِ الحذرُ الشديدُ من الأفكارِ الإسرائيلية؛ التي تُحاولُ وبشتّى السُبلِ تغييرَ المفاهيمِ العقديةِ الصحيحة بمفاهيمَ مغلوطة، والثقافةَ الإسلاميةَ بثقافةٍ غربيةٍ..
فنحنُ مع التطوّرِ لا ضدّه؛ لكن التطوّر السليم لا المِعوَج..
وعلى الآباءِ مُراقبةُ الأبناءِ بطريقةٍ وبأخرى؛ ليُحافظوا على ديمومةِ صحةِ أفكارِهم ومُعتقداتِهم وثقافتِهم من الأمورِ الدخيلة، ويأمنوا عليهم من الانجرارِ نحوَ طريقٍ منزلقٍ يؤدّي بهم إلى هاويةٍ ضالّةٍ مُضلّة، مردودُها السيء يعودُ على الآباءِ أيضًا؛ لأنّ الأبناءَ أمانةٌ في أعناقِهم وعليهم أن يرعوها حقّ رعايتِها.
فمن أجلِ سلامةِ أفكارِ الفئةِ الشبابيةِ وثقافتِهم من شبحِ التطوّرِ والتقدّم، الذي غزا عقولَهم وجرّدَ أفكارَهم من الصواب، ينبغي للآباء بيانُ المغزى الصحيحَ لمفهومِ التطوّرِ؛ وذلك من خِلالِ الانتباه إلى التالي:
1- إنّ غايةَ العدوِّ القضاءُ على الإسلامِ ليتفشّى الجهلُ والتخلُفُ، وليسهُلَ انقيادُ المسلمين للأفكارِ والثقافات المستوردة.
2- استهدافُ الفئةِ الشبابيةِ بالذات؛ لأنّهم بُناةُ المُستقبلِ وعلى عاتقِهم تقعُ مسؤوليةُ تقدُّمِ المُجتمعِ ورُقيه.
3- توعيتُهم بالرجوعِ إلى دستورِ الحياةِ: القرآن الكريم، وأنّه سرُّ التطوّرِ منذُ أكثر من 1400 عامٍ، وأنَّ أهلَ البيتِ (عليهم السلام) هم تُرجُمانُ القرآنِ إلى العوام.
4- تطويرُ ذواتِهم من خلالِ المهاراتِ المودعةِ عندَهم، واستثمارُها بالشكلِ الصحيحِ بما يُناسِبُ الدينَ الإسلامي.
5- الدّعمُ والتعزيزُ لهم في المجالِ الذي تميلُ إليه أنفسُهم، وإشعارُهم بالفرحِ والسرور؛ حتى مع فشلِهم؛ فرعايتُهم واحتضانُهم يُغنيهم عن الكثيرِ من القنواتِ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعي التي تُنادي بأبواقِ التطوّرِ والتقدّم.

الأبناءُ مسؤوليةُ الآباءِ، فلينظروا كيفَ يكونوا أهلًا لها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – الصفحة 548.

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى