المقالات

ما بعد زيارة البابا

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم الشيخ محمد آل حيدر:

تمثل احداث هذا العصر قفزات نوعية في تحديد الهويات، وقد مَنَّ الله تعالى على الشيعة بشخصياتٍ عظيمةٍ ركزوا الهوية الشيعية من جهاتٍ متعددة، فبعد ان تركزت الهوية العلمية في مدرسة الوحيد البهبهاني التي انتجت الشيخين صاحب الجواهر والانصاري مع ثلة عظيمة أخرى من أعلام الطائفة قدست اسرارهم، والتي كانت تتكأ على عصورٍ متطاولةٍ من البحث والتدريس، فجاءت على صعوبتها نتاج جماهير علمائية كثيرة.
بعد ذلك جاءت مهمة التحديد الاجتماعي والسياسي للهوية الشيعية؛ فخاضت الصعوبات، وبين تقدمٍ وتراجعٍ، وانقسامات شعبوية تارة ونخبوية أخرى؛ زحف علماؤنا الهوينا الهوينا؛ في ظل ظروفٍ تتراخى تارةً وتشتد أخرى؛ فقاموا بتحديدٍ فكري وعمليٍ لحقائق ثابتةٍ في وجدانهم، توارثوها من ائمتهم صلوات الله عليهم.
فمرت الظروف والأحوال وهم يلاقون من كل فعلٍ بردة فعلٍ تكبح من جماحه، وتمسك بزمامه.
وفي كل عصرٍ ترى منهم ابطالَ علمٍ؛ واهل وعيٍ وفهمٍ وتحليلٍ، يقودون المرحلة تلو المرحلة، حتى اذا اشتدت الامور وتعصبت الامم وتقسم الناس، وكلٌ بيده معولٌ من معدن متين ظاهره، يضرب بنا ضرباته، وجدت ردة الفعل حكيميةٍ خوئيةٍ حكيمةٍ قوية. حافظت على بناء وسددت جهود وبنت طرق.
وضيقي تفرجي، ولكنها فرجت عن قتلٍ وسلب ونهب وحرق، مع حريةٍ وقدرةٍ؛ مع تميعٍ وكسلٍ؛ مع غزوٍ فكريٍ ونفسي، فكانت الظاهرة السيستانية هي الوريثة لتلك الامجاد التي جعلت من ردة الفعل فعلا، ومن خوف النفوس وحمق التصرفات قوة.
فكانت التربية الامامية المباركة قائدة المرحلة؛ فتازرٌ مرجعيٌ غيرُ مسبوق؛ وزهدٌ وحكمةٌ وتقوى وفهمٌ دقيق هو القائد للمرحلة. لتحدث انتقالةً كبرى في شارعٍ غير منضبطٍ ينبغي ضبطُه، وفعل سياسي لا يحترم اي ضوابط ينبغي التعامل معه، وواقعٍ عالميٍ يموج بأنواع الفتن، وهجومٍ مدروسٍ على الطائفة المحقة من داخلها وخارجها؛ عسكريٍ وفكري؛ خشنٍ غليظ وناعمٍ ترف، وصراعٍ اجتماعي بين مختلف الفئات والطوائف، وبين كل هذا وذاك عملت النجف بهدوءٍ كأنه الصمت، وبنهجٍ كأنه التعطيل، حتى ضجَّ اقربُ الاتباعِ من السكون في وسط الهياج. واستُغِلَّ هذا لتحريك من ضاق صدرُهُ. او جهل امرَهُ.
ومع هذا لم تهتز الثوابت المرجعية ولا باقلها اهميةً؛ ولم تُخرِج لنا كلماتٍ جوفاء؛ او ذات ردة فعلٍ غير استراتيجي، بل كان هَمُّ حفظِ الثوابت وحقنِ الدم واعلاءِ الكلمة وتوحيدِ المقالة وتسلسلِ الحلقات امام تخطيطٍ عالميٍ خارجي، ووضعٍ نفسي غير محسودٍ عليه داخلي، كان هو الهم الأعظم للمرجعية.
واذا بذلك العمل الهادئ يتفجر حكمةً واثراً خارجياً وهيمنةً تاريخيةً متنامية؛ على نفوسٍ عَفّتْ قرارتُها؛ وطهُرَتْ طينتُها، فإذا ما اشتد الأمر على أشُدِهِ؛ واخذت الرؤوس تتهاوى، كانت لأسطرٍ بل كلمات قلائل ردةُ فعلٍ اذهلت الدنيا، وستبقى مذهلةً للتاريخ. فصُدّتْ داعش بكل ما تستند اليه من اموال نفطٍ، ودعم شرق ٍ وغربٍ؛ وتخطيطٍ مسبقٍ، وتهاوت تحت اقدام اتباع ذلك الهدوء النجفي؛ والسكون المرجعي؛ والقائد السيستاني.
لتتحول القضية من محاولات سيطرةٍ وهيمنةٍ الى حساباتٍ عالميةٍ جديدة. واذا بتلك الرؤوس الشوامخ وإن غطاها تراب القبور، ولكنه الترب المعفر بدماء الشهادة الزاكية والنفوس الطاهرة، وإذا بتلك النفوس الطاهرة وان فارقتها الأرواح ولكن لتلتحق مع انصار سيد الشهداء عليه السلام. وإذا بها تعلن الانتصار في عشر المدةِ المقررة للهيمنة الداعشية.
وإذ كان القتلُ لنا عادةً. والسكوتُ عن جرائمه لهم عادةً؛ والشهادةُ لنا سعادةً؛ وغضُ الطرف عنها من كل الاطراف سكوناً وابتعاداً وحسنَ قيادة . فبين هذين الطرفين فُرِضَتْ حالةٌ جديدةٌ لم يكن لأحد توقعها؛ صدرت من أطراف لطالما سكنت فلم تتحرك، وسكتت فلم تتكلم؛ بالرغم من سيل الدماء الفظيع الذي كنا ندفعه.
وبين دفعٍ غيبي، وعملٍ صادقٍ ولحظةٍ تاريخيةٍ فريدة. ينطلق من ذلك الصمت زعيمٌ كبيرٌ من زعمائه، فيقصد البابا الفاتيكاني مرجعَ الشيعة، ليأتي الى اعتابه.
ويحدث هذا في ظرف تغيرٍ عالمي بسبب وباءٍ؛ اخذ واقعَهُ الطبي وهالتَهُ الاعلاميةَ وتوابعَهُ العمليةَ بحدٍ غيرِ مسبوق؛ فجعل كلَّ الناس تصرخ أن مابعد كورونا غير ماقبلها. غير، لنضيف وما بعد زيارة البابا لمرجع الطائفة المعظم غير ما قبل الزيارة.
ويكفي اشارةً لذلك أن أكثر من مليار انسانٍ بدأ يحاول ان يعرف ما هي النجف؟ من هو السيستاني؟.
اننا امام امرٍ جديدٍ له متطلباته الشيعية العالمية. ومن ابرزها امران؛ أولهما الحفاظ على زخمٍ مرجعي بقدرِ او اعلى من الظاهرة السيستانية، وثانيهما التعريف بالشيعة على نحو الحفاظ على الاصالة والثوابت من جهة وعصرنة الخطاب واللهجة من جهةٍ اخرى.

ويكون هذا عملياً بامورٍ تفرض نفسها، ومنها تهيئة النماذج الكثيرة القادرة على معرفة لحن التفكير المرجعي وثباته؛ مع انه مرنٌ الى حد التعامل مع كل الأحوال والأطراف، ودخولهم في كل في كل مجالات الحياة العملية.
ومنها استثمار كل فرص العرض والبيان لمحاسن كلام السادة الاطهار عليهم السلام؛ وفي كل المجالات، وخصوصاً مع التطور التكنولوجي المذهل.
وكل هذا ينطلق من بناءٍ حوزويٍ رصين يبقى محافظاً على قوته مهما تميعت المجتمعات وكسل افرادها.
إن الظاهرة المرجعية اليوم بقيادة السيد السيستاني مد ظله؛ توجت انتقالةً تدرجت منذ المجدد الشيرازي والسيد اليزدي (قدهما) الى اليوم، وكانت في جوهرها تتمثل بخطوات هادئة وغليان بركاني لتنفجر عند السيد السستاني.
فينبغي لكل مؤمن التعامل معها بقدرها من العظمة والعلياء، بلا انغشاشٍ بواقعٍ متسارع موهوم، ولابتكاسل عن اصولٍ وثوابت ربانية واضحة.
اللهم احفظ مراجعنا. واطل عمر سيدنا وزعيم الطائف سماحة السيد السيستاني، وسددنا جميعا لما تحب وترضى، فلا سند لنا الّا انت يا ارحم الراحمين.
محمد آل حيدر

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى