مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

العقد السياسي في الدولة القانونية

يتحقق وجود الدولة بوجود جماعة سياسية وصلت لدرجة معينة من التنظيم يسمح باستقلالها لتكون التشكيل الطبيعي والحديث لوجود الدولة كمصطلح متداول منذ انطلاقة فكرة وجود الدولة في القرن السادس عشر في اوربا اذ بات مصطلح الدولة متداولا في القرن التاسع عشر، ولتتسم الدولة بسمات الدولة القانونية فانه من الواجب ان يخضع ما تباشره من نشاط لأحكام القانون بمعناه الواسع اعمالا لمبدأ المشروعية ، لذا فمن غير المتوقع وجود مجتمع او جماعة بدون تنظيم سياسي متمثل بوجود سلطة عليا تتمركز بيد شخص الحاكم يمارسها كأنها امتياز شخصي له وهو ما كان الدافع لتطور الوعي السياسي والاجتماعي ، لذا لم تعد السلطة بمفهومها الحديث امتيازا لمن يمارسها بل باتت تمثل شخصا معنويا مستقل عن شخصية من يمارسها لذا أصبح الربط بين وجود المجتمع وفكرة الدولة معبرا عن وجود السلطة السياسية ،ومن هذا المنطلق تستند انظمة الحكم الديمقراطي على عقدين مهمين في انظمتها الدستورية الاول العقد السياسي والذي بموجبه تتعهد الاطراف السياسية الفاعلة في المجتمع على ادارة البلاد بشكل يتوافق ومصالح المجتمع لخلق حالة من الرفاهية والاستقرار للمستقبل القادم عبر ضمان أمن وحريات الافراد على مختلف الاصعدة وبما يتوافق مع مضامينها الدستورية ، وفي الاتجاه المقابل نجد العقد الاجتماعي والذي يتقيد الافراد بموجبه بالالتزام بواجباتهم تجاه الدولة من خلال اتباع الأعراف الاجتماعية المحددة لشكل العلاقة بين الافراد في المجتمع وجزاء التخلف عن تلك الالتزامات والتعدي على حقوق الاخرين ، لذا نجد بأن هناك تلازم بين العقد السياسي والاجتماعي في نطاق التطبيق لعدم امكانية تطبيق احدهما بمعزل عن الاخر في ظل الانظمة الدستورية ، لذا نجد ان العقد السياسي يكتسب شرعيته من عملية التصويت على البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية لتكون بذلك القوى السياسية ملزمة عبر هذا العقد بالإيفاء بالتزاماتها السياسية امام الشعب ، ومن هذا المنطلق هناك تلازم بين كلا العقدين فبدون احدهما لا يمكن وجود الاخر ، اذ تكون القوى السياسية ملزمة بالإيفاء بتعهداتها امام الشعب والذي يعكس توجهها في ادارة  مقاليد الحكم لاكتساب الشرعية لتكون النتيجة تحديد شكل العلاقة بين الحكام وفقا لبنود العقد المبرم بين الطرفين والتي تبيح في المجتمعات المتخلفة استخدام العنف المؤطر بشرعية القانون  ضد الافراد الخارجين على بنوده ، او قد تكون تجربة الحرية الجديدة او التجربة الديمقراطية هي احد الدوافع للأفراد للضن بتراخي اجراءات الردع متخذين قناعات خاطئة حول الحرية الجديدة وهو ما يوجب العمل على القيام بحملة توعية شاملة في المجتمع لبيان الحقوق والواجبات ، وفي المقابل اذا ما اخلت السلطة ببنود العقد على الشعب الاطاحة بها من خلال حجب الثقة في البرلمان عنها واجراء انتخابات مبكرة لاستبدالها بسلطة سياسية جديدة .

ومن هذا المنطلق حاول العديد من الفقهاء وضع تعريف جامع للدولة القانونية باعتباره احد المسلمات بأن تخضع الدولة بكافة مؤسساتها للقانون فيتساوى الحاكم والمحكوم امام سلطة القانون وهو ما يميز الدولة القانونية عن الاستبدادية فمنهم من عرفها بأنها : ( هي تلك الدولة التي يتعين عن طريق القانون وسائل مباشرة نشاطها وحدود ذلك النشاط كما يحدد مجالات النشاط الفردي الحر) في حين ذهب اتجاه اخر للقول بأن الدولة القانونية هي : ( الدولة التي تخضع نفسها للقانون وليست تلك التي تضع نفسها فوق القانون) في حين اورد اخرون تعريف مغاير لها وهو : ( جميع الاشخاص في الدولة الطبيعية منها والاعتبارية الخاصة منها والعامة ، الافراد والهيئات ملزمة بالامتثال لأحكام القانون من ناحية وان هذه الاشخاص من ناحية اخرى تملك تحت يدها سلاحا قانونيا لحماية تلك الاحكام كلما تعرضت للنقض او المخالفة) ومن هذا المنطلق نجد ان الدولة القانونية هي تلك الدولة التي يستند كل تصرف او عمل قانوني فيها سواء كان عاما او خاصا الى قاعدة قانونية مجردة سابقة على التصرف او العمل بما يعني خضوع جميع الافراد في علاقاتهم القانونية مع بعضهم من جهة ومع الدولة وهيئاتها من جهة اخرى لأحكام القانون ، وهي بمجمل القول خضوع الدولة للقانون في جميع مظاهر نشاطها سواء من حيث الادارة او القضاء او التشريع على النقيض من الدولة البوليسية التي تكون لها مطلق الحرية في ان تتخذ قبل الافراد ما تراه من الاجراءات لتحقيق غاية تسعى اليها وفقا للظروف المحيطة بسلوكها ذلك.

 

د. ايناس عبد الهادي الربيعي

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى