مركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

صفحات من التاريخ المجهول (طاعة وشجاعة وتسليم):

بعد انقضاء الانتفاضة الشعبانيّة سنة ١٩٩١م طُمر الرجال بعد قتلهم في المقابر الجماعيّة، وهُدّمت المدارس الدينيّة، وأُحرقت كتب المكتبات، وامتلأت السجون، وكثرت الجثث في الشوارع، وغير هذا، وهذا قصف المشاهد المقدّسة على عظمتها، حتّى كتب على الجدران (لا شيعة بعد اليوم)، وبين هذا الخوف والمحن والبلايا التي لايعرفها إلّا من أدركها ورآها كان صدام يريد أن يفرغ النجف الأشرف من أهل العلم والحوزة العلميّة، وبكلّ وسيلة عنده، وبعد الانتفاضة، كان هنالك الكثير من الجاليات العربيّة وغير العربيّة فيها لطلب العلم، من إيران والهند وباكستان وأفغانستان وغيرها، وكان الطلبة لا يستطيعون السفر ولا البقاء، فالمصير مجهول عندهم، ولا وسيلة للتواصل مع أهاليهم.

وانتهت إقامة آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئيّ – قدّس سرّه – في العراق، ومن يلوذ به، من أهله وذراريه، والكثير من الطلبة الغرباء.

قال المرحوم الشيخ شريف كاشف الغطاء: (( أرسل الحجّة السيّد محمّد تقيّ الخوئيّ إليّ قائلاً إنَّ الوالد يطلبك، فالتقيت السيّد المرجع وقال لي: شيخ شريف، إنني استخرت الله تعالى أن تذهب لدائرة مخابرات الفرات الأوسط في كربلاء، وتجدّد لنا الإقامة، والاستخارة جيّدة جدّاً في أن تذهب غداً)).

ـ وانتخاب السيّد المرجع للشيخ كاشف الغطاء؛ لقوّة شخصيّته، وبديهته، وحنكته ـ
يكمل الشيخ القصة بقوله: (( فولولت في قلبي، وتذمّرت بعد أمره، وذهبت إلى البيت وصعدت في ليلة ظلماء إلى سطح الدار، وتوجهت لقبّة أمير المؤمنين – عليه السلام – وجرت دموعي، وأخذت بالبكاء، وخاطبت الأمير – عليه السلام – وناجيته إلى الفجر قائلًا: سيّدي هذا ولدك، وأمرني بأمره، وأمره مطاع عندي كمجتهد، وأمرني بخدمته، وأنا لا أخالفه شرعًا، وأنت بكيفك بعد.

وصلّيت الفجر وأخذت جوازات السيّد والعائلة وأوراق الإقامة؛ لأجدّدها لهم في دائرة المخابرات، وتوجهت لكربلاء بعد الصلاة، وكان موقف كربلاء سلبيًا مع الدولة يومئذ، ووصلت للدائرة قبل الدوام في السابعة صباحًا، وجلست عند امرأة تبيع الشاي والقيمر، وهي تبعد عن الدائرة مسافة، إلى أن تأتي الساعة الثامنة صباحًا، وقالت المرأة لي عندما رأت اضطرابي وخوفي: ((حجّي، شعندك رايح، بس تدخل بعد متطلع، آني نصحتك)).

فقلت في قلبي بعد أن ارتعدت فرائصي: ((شسوي حجّية بلاء وانكتب عليّ)).
فدخلت الدائرة، والتقيت مديرها، وفي بالي كان اسمه عمر أو أبو عمر، وعندما اطلع المدير على مرادي، أخذ يسبّ السيد المرجع وأهل بيته بالكلام الفاحش الذي يجلّ القلم عن ذكره.

ومما قاله : ((هؤلاء شنو بقاؤهم في بلدنا، الخوئيّ والعجم، هؤلاء لابدّ أن يرحلوا من بلادنا))
وأخذ بالسبّ من دون توقف، وأنا واقف بين يديه لا أتكلّم بحرف واحد، وحدثت نفسي قائلاً : ((لو تكلّمت بكلمة قتلني)).
وبعد أن أتمّ كلامه أعطاني الله تعالى قوة في اللسان والبيان، فقلت:
سيدي هل يعجبك أن تجتمع الطلبة من كل أنحاء العالم وتتوجه للأزهر في مصر، والعراق خال من طلبة العلم في عهد السيد الرئيس صدام حسين، أسفي.

أم هل يعجبك أن يتوجهوا لمكة والمدينة، والعراق خال من طلبة العلم في عهد السيد القائد، أسفي.

أم هل يعجبك أن يتوجهوا لقم ويدرسوا وترفع رايتهم، والعراق خال من طلبة العلم في زمن القائد المؤمن.
أم هل يعجبك أن تتفاخر اسطنبول بطلبتها والعراق لاطلبة له، أسفي.
هل يعجبك أن تزدهر القيروان بطلبتها، ونحن نسفّر بالطلبة.

فالدول تتفاخر وتتطاول على غيرها بمحافلها العلمية، فلماذا لايزدهر العراق بطلبة العلم في عهدكم، فأنتم راعية العلم والعلماء، فليكن الفخر بإيواء أهل العلم، وأنتم أهل الكرم والإحسان.

وهؤلاء أنت تكدر اطلعهم؛ لأن هذا بلدك، وتستطيع أن تجعلهم لايبقون، ولكننا نتضرر دولة وشعبًا، فالعالم كلّه ينادي عليكم قتلتم الطلبة وذبحتموهم، وهذا الكلام لاينفعنا، فنتضرر يذلك وأمثاله، وفهمت أنه يريد إخراج السيّد الخوئيّ، فقلت: إذا خرج السيد فإنه يعيش بعزٍّ وكرامة؛ لأنه رجل عالميّ الشخصيّة والعلميّة، ولاتتصوّر أنّه خاصّ بالشيعة، فهذا الأمر لايخدمكم أبدّاً، وأنت بكيفك بعد.

فقال المدير بعد أن تأمل: ((جيب الجوازات، واحنه انردلك الخبر، وسيدكم خلي ايحضر روحه يرجع لأهله)).
يقول الشيخ: ((فرجعت بخفي حنين، متعجبًا من نفسي كيف خرجت من تلك الدائرة المشؤومة، بيت الموت الذي لامهرب منه.

فوصلت للنجف وأخبرت السيد المرجع، وحوقل، وتمتم بالدعاء، وقال: نصبر ونرى)).
ثم قال الشيخ: ((مرّت ثلاثة أيام، وإذا بالضابط عند دكاني ومعه ثلاثة أشخاص، وإذا معه أوراق الإقامة مختومة، وقال: وافق السيد الرئيس على تجديد الإقامة، بعد نقل كلامك معي في هذا الأمر، فسلّمها لي وشكرته، وأهديته سبحاً من الكهرب الغالي، وغادر الدكان، وقُضيت حاجة السيد المرجع بتجديد الإقامة له ولغيره بعدئذ، واستقرّ في البلاد بحمد الله تعالى، وببركة من نحن بجواره)).

سمعت هذه الحكاية عن المرحوم الشيخ كاشف الغطاء مباشرة، وكان يتحدّث في بعضها بالبكاء تارة، وبوصف الخوف والرعب تارة أخرى.
وكنت انتظر الوقت لكتابتها بالمضمون الأقرب من الضبط، وجاء وقت الوفاء لقائلها.

وكتب أحمد علي الحلي

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى