تحقيقات

أضواء على صعوبات التعلُّم لدى الاطفال.. الكيفية والاسباب وأساليب المعالجة

تحقيق: غانيا درغام

تعتبر صعوبات التعلّم تحديات يواجهها الأطفال أثناء عملية التعلم في أنحاء عديدة من العالم، وتوصف تلك الصعوبات بأنها مشكلات تؤثر على قدرة الدماغ في “تلقي المعلومات، معالجتها، تحليلها، أو تخزينها”، ويمكن أن تجعل هذه المشاكل من الصعب على الطالب أن يتعلم بنفس السرعة التي يتعلم بها شخص آخر لا يعاني من صعوبات التعلم.

وتشمل صعوبات التعلم جميع مجالات الحياة، ليس فقط التعلم في المدرسة، كما يمكن أن تؤثر في كيفية تعلم المهارات الأساسية مثل القراءة والكتابة و الرياضيات والنطق، والكلام المبكر، وفي طريقة تعلم مهارات عالية المستوى مثل “التنظيم و تخطيط الوقت، التفكير المجرد، تنمية الذاكرة الطويلة أو القصيرة المدى والاهتمام”.

أسباب صعوبات التعلم

أظهرت الدراسات وجود أسباب متعددة و متداخلة لصعوبات التعلم وهي:

– العيوب الوراثية: يلاحظ في كثير من الأحيان انتشار صعوبات التعلم في أسر معينة، و يعتقد أن هذا الأمر يعود لأساس وراثي، فعلى سبيل المثال فإن الأطفال الذين يفتقدون بعض المهارات المطلوبة للقراءة مثل سماع الأصوات المميزة والمفصلة للكلمات، من المحتمل أن يكون أحد الأبوين يعاني من مشكلة مماثلة.

– عيوب نمو المخ: ذلك خلال مراحل نمو الجنين، وقد تحدث بعض العيوب والأخطاء التي قد تؤثر على تكوين و اتصال الخلايا العصبية ببعضها البعض، و يعتقد العلماء أن هذه الأخطاء أو العيوب في نمو الخلايا العصبية هي التي تؤدي إلى ظهور صعوبات التعلم عند الأطفال.

– مشاكل أثناء الحمل والولادة: يمكن أن يرتبط ظهور صعوبات التعلم لدى الطفل بالمراحل التي تسبق ولادته، ففي بعض الحالات يتفاعل الجهاز المناعي للأم مع الجنين كما لو كان جسما غريبا يهاجمه، وهذا التفاعل يؤدي إلى اختلال فى نمو الجهاز العصبي لهذا الأخير، وفي حالات أخرى، قد يحدث التواء للحبل السري حول نفسه أثناء الولادة مما يؤدي إلى نقص مفاجئ للأوكسجين الذي يصل للجنين، بالتالي يؤدي إلى الإعاقة في عمل المخ وصعوبة التعلم في الكبر، أيضاً يمكن أن يسبب التدخين أو تناول الخمور، أو بعض الأدوية الخطيرة أثناء الحمل إلى معاناة الطفل من صعوبات التعلم.

– مشاكل التلوث والبيئة: أثبتت الأبحاث أن التلوث البيئي من الممكن أن يؤدي إلى صعوبات التعلم بسبب تأثيره الضار على نمو الخلايا العصبية، وقد أظهرت الدراسات أن الرصاص وهو من المواد الملوثة للبيئة والناتج عن احتراق البنزين والموجود كذلك في مواسير مياه الشرب، من الممكن أن يؤدي إلى كثير من صعوبات التعلم.

أنواع صعوبات التعلم

– صعوبات التعلم النمائية: التي تتعلق بالعمليات المعرفية والعقلية وبالوظائف الدماغية التي يحتاجها الطفل في تحصيله الأكاديمي، وقد يكون السبب في حدوث هذه الصعوبات هو اضطرابات وظيفية تخص الجهاز العصبي المركزي، وتؤثر هذه الصعوبات أيضاً على العمليات ما قبل الأكاديمية، مثل الذاكرة والتفكير واللغة والانتباه والإدراك، والتي يعتمد عليها التحصيل الأكاديمي للطفل، وتشكل أهم الأسس التي يقوم عليها النشاط المعرفي والعقلي.

– صعوبات التعلم الأكاديمية: يقصد بها صعوبات الأداء المدرسي المعرفي الأكاديمي، وترتبط هذه الصعوبات إلى حد كبير بصعوبات التعلم النمائية، ومن مظاهر صعوبات التعلم الأكاديمية:

صعوبة الحساب: تؤثر هذه الصعوبة على قدرة الفرد على اكتساب المهارات الحسابية، ويتصف الطلّاب الذين يعانون من هذه الصعوبة بقصور في الإدراك السمعي أو البصري للأرقام، وصعوبات في فهم العلاقة بين الأرقام، كما يعانون أيضاً من صعوبة في إجراء العمليات الحسابية.

صعوبات الحركة: تشمل هذه الصعوبات حدوث اضطراب حسي كالاتزان، والتوافق بين أداء النظر واليد، أي عدم تمكن الطالب من التحكم والتنسيق في الحركات البسيطة.

صعوبة القراءة: الطلاب الّذين يعانون من هذه الصعوبة لديهم قدرة متدنية في اكتساب مهارات القراءة والكتابة، و كثيراً ما تسبب هذه الصعوبات ابتعاد الطالب عن القراءة والكتابة ومحاولة تعلم المادة عن ظهر قلب، من أجل إخفاء مشاكله في صعوبات القراءة، ومن مظاهر صعوبات القراءة “صعوبات في فهم المقروء، صعوبة الهجاء، وانعدام الدقة في القراءة”.

معالجة صعوبات التعلم

– تفهم الوالدين للمشكلة، والتعاون مع المدرسة في بناء برنامج علاجي لهؤلاء الأبناء بعيداً عن الضغوطات النفسية.

– تخطيط برنامج تعليمي خاص لكل طفل حسب نوع الصعوبة التي يعاني منها.

– التدخل المبكر والتشخيص من قبل أطباء مختصين.

المعلِّمة صباح غريب، تحدثت إلى مركز الاعلام الدولي في العراق بقولها: “من المهم جدا التحدث عن مشكلة صعوبة التعلم لدى الأطفال، لأن نسبة معينة من الأطفال لديهم هذه المشكلة وهؤلاء الأطفال يعتبرون في المستقبل لاحقا جزء من جيل يساهم في تقويم المجتمع والنهوض به في عدة مناحي منها ثقافية وتعليمية وتربوية واجتماعية، فمثلا هناك أطفال لا يستطيعون نقل المعلومة عن السبورة، أو عدم تركيزهم على تلقي المعلومات وحفظها، وقد واجهت مشكلة صعوبة التعلم لدى الأطفال خلال فترة عملي التدريسي مع أربعة أطفال في أعمار مختلفة تتفاوت بين الثمانية والعشر سنوات، ومعهم جميعاً شعرت تجاههم بواجبي الانساني والتربوي اضافة إلى التعليمي، فالطفل في هذه الحالة يعتبر أمانة في عنق المدرس أولاً وفي واجبات أسرته ثانياً، فمثلاً عندما لاحظت على أحدهم عدم الاستجابة والانطوائية في الصف، تحدثت إليه وعلمت أن لديه مشكلة في التعلم ونقل المعلومات عن السبورة، وعلمت منه أن والده متوفي وأمه تعمل في الزراعة خلال النهار الأمر الذي يحرمه متابعة الأسرة له والعناية به، بالتالي منحته المزيد من الاهتمام في الحصص الدراسية، وكنت أعطيه دروسا اضافية في القراءة وتعلم اللغة الأجنبية والرياضيات لتكون هذه العناية بمثابة تأسيس علمي له، كما نقلته إلى المقعد الأول في الصف”.

وتابعت المعلمة صباح بقولها: ” بعد فترة قصيرة لم تتجاوز الشهرين كانت استجابته خلالها سريعة تطورت من مرحلة الصفر إلى الوسط ثم الجيد، وكانت لديه رغبة كبيرة في المزيد من التعلم، ومن وجهة نظري هناك أطفال يتعرضون بسبب صعوبة تعلّمهم للسخرية من قبل أصدقائهم في الصف، وهذا يحبط الطفل المصاب، بالتالي يجب على المعلمة والطاقم التدريسي والتربوي والاجتماعي في المدرسة أن يمنحوه الثقة كي يثبت مكانته بين زملائه، كما يجب تقويم شخصيته لتتكون لديه الثقة في الاستجابة، وأنوه أنه من الضروري وجود تعاون بين الطاقم التدريسي والأهل لتكون دائرة العناية متكاملة، وفي حالة وجود أهالي ليس لديهم القدرة على متابعة أطفالهم أو تخصيص معلمين لهم في المنزل بالتالي تكون المسؤولية أكبر على عاتق المعلمة في الصف”.

كيفية تعامل الأهل مع أطفال صعوبات التعلم

أكدت الدراسات المتخصصة على أهمية دور الأسرة في معالجة مشكلة صعوبات التعلّم عند الطفل والتخفيف منها، كما بينت أن دورها في التأثير على الطفل أقوى بكثير من المدرسة، وأن الأسرة كلما أولت الطفل الاهتمام المناسب فإنها تحقق نجاحات كبيرة في التغلب على المشكلة، وهناك بعض النقاط التي من الممكن أن تلخّص دور الأسرة في التعامل مع الطفل وهي:

– ملاحظة الطفل، من الضروري أن يتابع الأهل نمو طفلهم وتطوره بشكل مستمر من قبل سن المدرسة وحتى المدرسة، والبحث والسؤال حول أي ملاحظة مقلقة في تطور الطفل النمائي أو الأكاديمي.

– تقييم الطفل، واتخاذ القرار بأن يخضع لاختبارات تقييمية من قبل متخصصين للتأكد من وجود مشكلة صعوبات التعلّم أم لا، وإعطاء المختص إجابات دقيقة تماماً على أسئلتهم عن حالة الطفل ليكون التشخيص دقيقاً.

– اتخاذ القرارات الإيجابية التي تتعلّق بمصلحة الطفل في المستقبل بعد الحصول على التقييم والتأكد من وجود المشكلة، والعزم على تحمل المسؤولية لمساعدة الطفل.

– تقبل الطفل ومساعدته على تخلي المشكلة بصبر، وعدم ماقبته على التقصير وتحميله عبئاً أعلى من طاقته وقدراته.

– البحث والتعلم وأخذ الدورات التي تتعلّق بصعوبات التعلّم لفهم الوسائل والأساليب التي قد تساعد على حل المشكلة وفهم أنواع البرامج والمساعدات التي تُقدم لهذه الفئة من الأطفال والطلاب.

– التعاون بين الأهل والمدرس أو اختصاصيي التربية الخاصة وتنفيذ تعليماته بما تقتضيه مصلحة الطفل.

من جانب آخر أصبحت الحاجة إلى التعلم الإلكتروني ملحة، خاصة مع الأزمات الصحية التي يواجهها العالم وآخرها أزمة فيروس كوفيد -19 التي أرغمت العالم لفترة طويلة في عزلة منزلية، مما أجبر الطلاب على تلقي تعليمهم عن بعد، لكن التعلم الإلكتروني يواجه بعض الصعوبات التي قد تكون حجر عثرة في امتداده، ومن هذه الصعوبات:

– عدم قدرة العديد من الطلاب وشريحة كبيرة من المعلمين على الاعتماد على التعلم الإلكتروني.

– المواد التعليمية المعروضة على الإنترنت في بعض الأحيان غير كافية وتحتاج إلى تطوير مستمر.

– التدريب غير الكافي، سواء على مستوى المعلمين أو على مستوى الطلاب.

– الشعور بعدم الثقة وانعدام الأمن من جانب بعض الذين يتلقون التعلم الإلكتروني بسبب إمكانية الاختراق.

– خدمة الإنترنت والمزادات في كثير من المجالات ضعيفة ولا ترقى إلى مستوى التعليم المستمر.

– قلة الأموال لتحمل أعباء التعلم الإلكتروني والتكاليف الباهظة.

– ضعف صيانة الأجهزة وضعف الكفاءات في مجال إدارة التعلم الإلكتروني.

– ضعف البنية التحتية الرقمية في العديد من المناطق، وخاصة العالم النامي.

– عدم اتخاذ قرارات فعالة من قبل الحكومات لاستبدال التعليم النمطي بالتعلم الإلكتروني.

بالتالي يجب التعرف على حلول للمشاكل التي تواجه الطلاب في التعليم عن بعد والتي يعتبر أهمها:

– العمل على نشر ونشر الوعي بالتعلم الإلكتروني بين الناس من خلال وسائل الإعلام وعقد الندوات.

– التركيز على تقديم الفوائد المتوقعة من التعليم عن بعد.

– ضرورة الاستفادة من خبرات الآخرين الذين سبقوها لتطبيق تجربة التعلم الإلكتروني.

– العمل على تطوير البنية التحتية وتطوير خدمات الإنترنت والاتصالات.

– تدريب الطلاب والمدرسين على كيفية التدريس عن بعد.

– تجهيز مراكز الصيانة الالكترونية للحاسبات لضمان استمرارية التعليم عن بعد.

وجهة نظر متخصصة

ونوّه لمركز الاعلام الدولي المختص حيدر عبد الرضا “مدرب تنمية بشرية معتمد من NABU بقوله: “لا يزال بل ويبقى مجال التعليم هو البنى التحتية والجذور الرئيسية لبناء الطفولة ذهنياً وفكرياً بل وحتى شخصياً الا ان موضوع صعوبات التعلم وبطء التعلم اخذ حيزاً لدى الكثير من الاطفال.

ويعرف بطء وصعوبات التعلم بأنه فشل في التحصيل الاكاديمي ناتج عن خلل بالعمليات النفسية الاساسية “الانتباه، الذاكرة، الادراك، حل المشكلات، تكوين المفهوم، اللغة الشفوية” وتكمن الحلول بعدة خطوات، وأهمها تقبُّل حالة الطفل من قبل ذويه ومساعدته ومساندته، فضلا عن مساعدته ودعمه من قبل معلّمه الذي له دور اكاديمي وتربوي كبير.

اما باقي الاساليب العلاجية فهي تدريسية بحتة تتلخص بطريقة التدريس ووقت الحصة التدريسية، وكمية المعلومات المطروحة، والاسلوب التعليمي، والاستراتيجيات المتبعة في يومه المدرسي”.

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى