المقالات

الجدران والآذان..

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم : حسين فرحان

– هل أنت مقتنع بأن يزيد بن معاوية، أمير للمؤمنين؟
– صه.. أُسكت فإن للجدران آذان واتباعه الأمويون في كل مكان..

بعد ألف عام وأربعة قرون..
– هل أنت مقتنع بأن صدام هو قائد الحملة الإيمانية وفارس الأمة وزعيمها؟
– صه.. أسكت فإن للجدران أذان واتباعه البعثيون في كل مكان..

يالهذه الجدران التي امتلأت بالآذان وجميع أدوات التجسس والتنصت.. يالهؤلاء الاتباع الذين جثموا كطواغيتهم على صدورنا.. يالهذه الهالة المقدسة التي تتوسطها كتلة من الطغيان لا تزول الا كما يُزال المرض الخبيث فتُستأصل معه أغلى الاشياء..

أتذكر حكاية من حكايات الزمن الجميل -كما يحلو للبعض أن يسميه- فيها شيء مما وشت به أذن الجدار فعادت بالموت على مساكين لم يكن في حساباتهم ما جرى..

اكتُشفت الحكاية مع تناثر أوراق أضابير الأمن وتطايرها وانتقالها من جهاز استنساخ لآخر لتفضح فارس الأمة بعد فوات الأوان..
فمع اندلاع الحرب في مطلع الثمانينات، كانت الطائرات الإيرانية تشن غاراتها على بغداد مع غروب الشمس حيث كانت الأجواء الليلية هي ما يناسب الغارات في تلك الحرب التقليدية التي لم تكن بمستوى حروب اليوم والاسلحة والتقنيات المستخدمة فيها..

كان بيت السادة في منطقتنا من خير البيوت أدبا وتدينا.. وكان مما يفصح عن التزامهم أنهم يؤدون صلاتهم بوقتها ولا شأن لهم سوى أداء ما عليهم..

التقطت آذان الجدران ذات يوم تكبيرات صلواتهم في الوقت الذي كانت الطائرات تمارس غاراتها عند مغيب الشمس.. لتدون أقلام الرفاق الملونة تقريرا سريا للغاية وضع المسؤول عنهم تحته خط التأييد الأحمر: (هؤلاء الشباب يكبرون ويهللون عند كل غارة.. نصرة للعدو) كانت هذه الكلمات كفيلة بإعدام بعضهم وسجن وتعذيب البعض الآخر.. كانت آذان الجدران تنصت غير خاشعة للتكبير والتهليل.. كان همها أن تحرف الكلم عن مواضعه وتجعل من تكبيرات الصلوات مؤامرة تستهدف يزيد العصر، كل ذلك طمعا بملك الري الذي صار إيقونة الجشع والخسة في كل زمان..

حكايتنا مع الجدران ليس حكاية اليوم.. وليست حكاية جزء من تاريخنا.. هي حكاية تروى لكل جيل سيعيش على هذه الأرض التي حباها الله بنعمة الولاء.. فما دام الولاء موجودا فلن تتخلى الجدران عن أدوات سمعها ولن يبرح المنتفعون مكانهم ورائها مادام استراق السمع يدر عليهم بجواهر السلطان وعطاياه، ليبقى صوتهم يتردد في أروقة قصور الطغاة دون وجل:
املا ركابي فضة وذهبا
أنا قتلت الملك المحجبا

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى