الاخبار

تقرير لمجلة ديلايد غارتيفيكشن البريطانية عن العراق: أخوة في القتال

خلقَ تهديد داعش للعراق لدى المجتمع العراقي الوحدة بين السنّة والشيعة والذين التحقوا بصفوف الحشد الشعبي لمواجهة داعش ودحره وتحرير الاراضي التي احتلتها عصابات التنظيم.

الصحفييَن البريطاني بوب تولاست، والفرنسي سكوت شاسيروت، زارا العراق والتقيا بمقاتلين من الحشد الشعبي من مختلف الطوائف، لتوثيق حالة الوحدة وتجاوز الطائفية التي أبداها المقاتلون المتطوعون من الشيعة والسنّة وبقية الطوائف..

وجاء في التقرير الذي نشرتهُ مجلة ديلايد غارتيفيكشن البريطانية، وهي مجلة ثقافية فصلية مطبوعة والكترونية:

نحن في طريقنا الى محافظة الانبار حيث يستحوذ على قسم من أراضيها مقاتلو داعش وفي سيارة مصفّحة ومغطاة نوافذها بدروع واقية، وكان برفقتنا القائد رضا احد القادة في تشكيلات الحشد الشعبي.

وخلال حديثي مع القائد رضا عن التطورات السياسية أشار الى الدور الذي تلعبه امريكا للإبقاء على داعش لأطول فترة ممكنة، معللاً بعدم إعطاءهم الحرية الكاملة لتحرير المناطق المتبقية وصعوبة استحصال الموافقات الرسمية لتحرك قوات الجيش والحشد الشعبي. وبعد حديث عن الدور الامريكي وصلنا الى منطقة النخيب الواقعة الى الغرب من مدينة كربلاء بحوالي 100كم، حاولتُ ان أضفي بعض المرح على المقاتلين في النخيب مبيّناً أننا قد استمتعنا برحلتنا في العراق وقد شاهدنا أناس يرقصون (الجوبي) وبالفعل قام المقاتلين  باستعراض حاملين سلاحهم الكلاشنكوف وينشدون..

يتكون الحشد من ما يقارب الـ 100 ألف جندي ومن مختلف الفصائل ومهمتها مقاتلة داعش، وهؤلاء الجنود هم مدنيين فمنهم الخباز وسائق التاكسي ومِهن اخرى، وقد تم تدريبهم بصورة سريعة بعد دخول داعش الى العراق.

وبالرغم من الخلاف الطائفي التاريخي بين السنّة والشيعة لكن فصائل الحشد تضمنت جنود من الطائفتين والرجال الذين استعرضوا أمامنا بدَبكة (الجوبي) كانوا من السنّة والشيعة، ولولا توحدهم لما تمكنوا من هزيمة داعش في المناطق التي تم استعادتها وان البلد سينهار.

دعوة للقتال

صيف حار ودامي شهده عام 2014 حيث استطاع مقاتلو داعش الاستيلاء على اكثر من ثلث المناطق العراقية، وهزيمة بعض قطعات الجيش العراقي، حتى أصبح التنظيم قريباً من العاصمة بغداد، والقوات الامريكية اصبحت أمام العودة الى العراق بعد ثلاث سنين من مغادرتهم البلاد.

لكن كان الامر من أقدس رجل لدى المسلمين الشيعة آية الله العظمى السيد علي السيستاني والذي دعا الشيعة الى الوقوف بوجه الهجوم ليس فقط لحماية مناطقهم ومحافظاتهم بل لحماية العراق والسكان السنّة أيضاً.

الآلاف من الشباب الشيعة تطوّعوا وساروا على توجيهات وفتوى السيد السيستاني، والتحقوا بتشكيل جديد أطلقوا عليه اسم الحشد الشعبي، والذي اصبح قوة عسكرية مستقلة، وقد جعلته الحكومة العراقية فيما بعد قوة رسمية مع تمويل حكومي لهذا التشكيل.

وقد أمر السيد السيستاني بحماية أبناء السنّة من هجمات تنظيم داعش الذي يستمد أفكاره من الفكر الوهابي، الفكر الذي تحملهُ أكثر الطوائف تشدداً لدى السنّة المسلمين، ومهمته هو خلق الحرب الطائفية بين السنّة والشيعة في العراق.

ابو مصعب الزرقاوي الأب الروحي لمقاتلي التنظيم كتب في عام 2014″ هدفُنا مقاتلة الشيعة في العراق حفاظاً على الامة الاسلامية، وسيقول احدهم ان هذه الحرب ستكون دموية وسأقول له نعم نحن نريدها دموية”.

وفي منتصف عام 2014 اصبح داعش قريب من هدفه” المناطق الشيعية والسنية”، وقد بدأ بتنفيذ الاعدامات بعد الاستيلاء على قاعدة سبايكر شمال بغداد ليعدم 1700 مقاتل شيعي اغلبهم لم يتجاوز 18 من عمره، وقد أعاد منظر الاعدام الذي نفّذه التنظيم الذاكرة للشيعة بما كان يفعله حزب البعث في زمن صدام السنّي وانتفاضة 1991، وقد تم الكشف عن وجود ما يقارب 200 مقبرة جماعية تعود لزمن الانتفاضة. وكأن التاريخ يعود من جديد؟

بالتأكيد فان تاريخ العراق المُظلم والذي تمثل بالانقسام السنّي الشيعي لم يبشّر بأن يكون امل بوجود وحدة وطنية.

لكن حدث شيء ما غير ما كان متوقع، ففي قرى صغيرة في ديالى والانبار التحق العديد من أبناء السنّة بالحشد الشعبي ليقاتلوا ضد التنظيم. وإحدى أشهر القضايا التي بينت مدى التلاحم هي مدينة الضلوعية وهي قرية سنّية، حيث تم محاصرة المدينة من قبل مقاتلي داعش ولكن التحاق أبناء السنّة مع الحشد الشعبي في مواجهة داعش جعل صحيفة (الواشنطن بوست) تصف الأمر بـ (عرس التلاحم) في الضلوعية والتي تم تحريرها بعد فترة وجيزة،  وبعد ثمانية عشر شهر توسع هذا التلاحم ليشمل العراق.

العدو الحقيقي

يتضمن لواء علي الاكبر، وهو احد تشكيلات الحشد الشعبي بحدود 5000 آلاف مقاتل، منهم أكثر من 1000 مقاتل سنّي. وعند ذهابنا الى مدينة النجف شاهدنا في الطريق الى المعسكر الخاص بهم حيث يضم عدد من الغرف، وهنالك عدد من الرجال ينتظرون الأوامر للذهاب الى الخطوط المتقدمة لتحرير مدينة الموصل.

اشرف حسن، مقاتل شيعي في لواء علي الاكبر، يؤكد على اهمية القتال سوية مع أبناء السنّة في خط واحد.

وقال حسن” لقد أصبت بعد انفجار سيارة مفخخة، حيث يستخدم داعش السيارات المفخخة في المواجهات”.

وأضاف حسن” عشنا سوية مع أبناء السنّة و لمدة ستة أشهر في معارك بيجي، لم يشر أي احد منّا الى انه انت من المذهب السني او الشيعي لأن هدفنا تحرير الوطن وعدونا داعش”.

ولكن هناك صعوبات تواجه الحشد متمثلة بالمدنيين المتواجدين في المناطق التي يستحوذ عليها التنظيم، بالاضافة الى التحضير اللوجستي لأي معركة فيجب تحضير المؤن من طعام وشراب للمقاتلين.

عباس وهو خباز قبل دخول داعش وقد التحق في معارك جرف الصخر عام 2014 صرح قائلا” لقد استطعنا في جرف الصخر ان نموّل القطعات العسكرية بالخبز والمؤن، وكنا نقوم بثلاث رحلات يومية الى الجرف.. كنا نوصل الخبز والطعام حاراً”.

وعندما اشار عباس الى ان الخبز كان يصل حار يتضح ان المسافة قصيرة بين داعش والمناطق الشيعية الرئيسية.

وكان عباس يضع حياته على كفّه لأن الأمر محفوف بالمخاطر، يقول” كنتُ امتلك محلَّين لكنني أغلقتهم والتحقتُ بالحشد لكي ألبّي نداء الجهاد، وأنا اخدم هؤلاء الجنود خدمة لوطني”. 

وأضاف عباس” ابني عمره 17 عاماً وقد استشهد بالعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطريق، وهو ايضا كان مقاتل الى جانبي لكننا لن ننحني ولن نتركها لهم”.

ويتضح أن ما يفعله عباس من خلال توفير المؤونة لأبناء السنّة اشارة واضحة ان هؤلاء الرجال اكثر من أخوة.

وقد اصبح للحشد الشعبي الخبرة الكافية بالعمليات التي يقوم بها مقاتلو داعش وكانوا يشرحون لنا خططهم من خلال استخدامهم القناصين والسيارات المفخخة. وقد تطور سلاح الحشد الشعبي وذلك من خلال التمويل الحكومي والدعم الايراني بالاضافة الى ضربات التحالف  التي أدت الى ابطال فاعلية داعش.

وقد بيّن احد القادة السابقين في لواء علي الاكبر علي مصلح قائلاً” ان سلاحنا هو الايمان بالقضية والذي يلعب دور في اعطاء الزخم لدى المقاتلين”.

الحشد السنّي

خلال رحلتنا الى منطقة النخيب، دخلنا الى بيت حيث مقر فرقة العباس القتالية والتقينا بعمر ويوسف، وهم من المقاتلين السنّة في فرقة العباس القتالية والتي تضم حوالي 3000 مقاتل وهم من أتباع آية الله السيد السيستاني، وهؤلاء من بين مئات السنّة الذين تركوا بيوتهم ونزحوا مع عوائلهم الى مناطق أكثر أمناً. وقد استقروا في مدينة النخيب بأطراف محافظة الانبار.

تحدّث الينا عمر قائلاً” كنت سائق تكسي قبل ان يسيطر داعش على الانبار في مدينة الفلوجة وفي العام الماضي اختطف عناصر داعش ابن عمي حيث كان متزوج من امرأة شيعية، لذا اعتقدتُ اني لن أسلم على حياتي وقررت المغادرة”.

وقد أشار يوسف وعمر بأنهم كانوا يستلمون الدعم من غذاء وأغطية من فرقة العباس القتالية.

وقال يوسف النازح من مدينة القائم” اننا فعلاً رغبنا بوجود الحشد الشعبي لأننا لم نستلم أي دعم من أي جهة سوى الحشد، وقد فتحت فرقة العباس أبوابها لنا لنلتحق ونكون من ضمن صفوفها”.

فيما أوضح عمر عن آلية دخول داعش الى المدينة قائلاً” وافق بعض المشايخ على دخول داعش بسبب الموقف السلبي الذي انتهجه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي اتجاهنا، وبعد ثلاثة ايام شاهدنا أناس غرباء يدخلون المدينة ويحملون اسلحة مختلفة وبدءوا بذبح الناس بمجرد الشك بهم، وكان فعلاً وقت اصبح فيه هرج ومرج، لأننا لم نعلم من سنقاتل ولماذا الذبح بأبناء المحافظة”.

وتساءلتُ “بوب”: لمَ برأيك يلتحق مقاتل سنّي بصفوف الحشد الشيعي بعد تاريخ طويل من الخلاف بين المذهبين؟

فأجاب عمر” ان داعش هدمت البيوت واستباحت الحرمات ودمرت كل شيء لذا يجب ان يخرجوا من العراق وهم لا يمثلوننا”.

وقد اضاف الينا القادة العسكريين بأنهم قد استعانوا بالخبرات الموجودة لدى أبناء السنّة في مناطقهم لمعرفتهم بالتضاريس والخفايا.

ويتضح من كلام عمر ويوسف ان النهاية قريبة للعدو خصوصاً بعد تحريرعدة مناطق في الانبار.

وبعد ان تناولنا الشاي في مقر فرقة العباس في النخيب، سألت يوسف عن رسالته الى العالم فقال” رسالتي أوجهها الى المجتمع العالمي والسنّي خصوصاً اننا وعندما فقدنا بيوتنا لم يستقبلنا احد فقط غير الشيعة وقد قاتلنا بصف واحد في الخطوط المتقدمة حيث عدونا واحد وهو داعش”.

نهاية اللعبة

ان العدو الحقيقي قد وحّد الشيعة والسنّة. ولكن ماذا لو انتهى داعش؟ هل سيعود سائق التكسي والخباز الى مهنهم؟ اذا لم يستطيعوا فان هنالك عمل كثير على الحكومة العراقية انجازه تجاه هؤلاء وغيرهم…

الولاء المزدوج لبعض القطعات العسكرية ظهر حين التقينا بقائد لواء في سرايا الخراساني والتي يتم تمويلها من ايران. تحدث قائلاً” ان الشيعة قد عانوا الكثير من الويلات والقتل في ظل النظام الدكتاتوري، واعتقدَ السنّة انه سيكون هنالك حالة من الانتقام عند استلام الشيعة للحكم”.

وأشار الى قصة المقاتل السنّي” ان المقاتل السنّي من محافظة صلاح الدين احد الرموز على وحدة الشعب العراقي وقد قاتل صفاً الى صف معنا وقد استشهد وروحه الآن بيننا ونحن نفتخر به”.

لم تواجه الحكومة خطر داعش فقط بل ان انخفاض اسعار النفط سبب مشاكل جمّة لتمويل الحشد ورواتبهم المهددة بالتوقف، والمظاهرات المطالبة بالاصلاح وغيرها.

ومهما حدث سيبقى الاستعراض بـ(دبكة الجوبي) بين مقاتلي السنّة والشيعة هو الهدف الذي سيهزم داعش لأنهم سيبقون أخوة.

…………………………….

الصحفيَين “بوب تولاست” و”سكوت شاسيروت” تمّت دعوتهم من قبل مركز الاعلام الدولي في شهر نيسان من عام 2016 ومرافقتهم لزيارة قطعات الحشد الشعبي المتواجدة في مناطق النخيب والهبارية الواقع جنوب صحراء الانبار، وزيارة مقرات لواء علي الاكبر وفرقة العباس القتالية لعمل تقرير صحفي، وفيلم وثائقي عن العراق.

تقرير: بوب تولاست البريطاني

تصوير: سكوت شاسيروت الفرنسي

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى