المقالاتمركز النسيم للدراسات الاستراتيجية

مجلس الدولة  بين القضاء والتشريع

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «وكالة نسيم كربلاء الخبرية»

بقلم : الدكتورة ايناس عبد الهادي الربيعي 

في عام 2017 صدر قانون مجلس الدولة العراقي المرقم (71) لسنة 2017 والذي نقل احكام مجلس شورى الدولة رقم (65) لسنة 1979 وتعديلاته وجعلها سارية باستثناء الفقرة (رابعا ) من المادة السادسة منه ، ان ممارسة مجلس الدولة لمهامه تبينها المادة الاولى من قانون المجلس المشار اليه انفا والتي بينت بأن المجلس هيئة مستقلة وهو ما يتأكد بذكره في المادة (101) من احكام الدستور في الفرع الثالث المعنون (أحكام عامة) والوارد ضمن الفصل الثالث المتعلق بالسلطة القضائية وهو ما يقتضي البحث في طبيعة المجلس الامر الذي يعيدنا الى عام 1989 بصدور قانون تعديل مجلس شورى الدولة رقم (106) والذي انشأ بموجبه محكمة القضاء الاداري ليرتبط كلاهما بوزارة العدل وهو ما عده البعض تعارضا مع مبدأ النظام القضائي المزدوج مع جعل مجلس شورى الدولة جزءا من وزارة العدل والتي تمثل السلطة التنفيذية الامر الذي عده البعض متعارضا مع مهمة القضاء الاداري بالرقابة على اعمال الادارة ، وعلى الرغم من فصل السلطة القضائية عن وزارة العدل بعد عام 2003 وانشاء مجلس القضاء الاعلى بأمر سلطة الائتلاف المرقم(35) لسنة 2003 استمر مجلس الدولة مرتبطا بوزارة العدل حتى صدور قانون مجلس الدولة لسنة 2017 الذي جعل المجلس هيئة مستقلة لا سلطان لوزارة العدل عليها ، الا من المآخذ على ذلك ان القانون لم يحدد طبيعة تلك الهيئة وهل تعد من ضمن السلطة التنفيذية كما هو الحال في فرنسا ام تعد من ضمن السلطة القضائية كما هو الحال في مصر وهو امر بالغ الاهمية للوقوف على مدى الاستقلالية التي يتمتع بها المجلس وهو ما آثار الجدل سابقا بين وزارة العدل ومجلس النواب في القضية المرفوعة من قبل وزارة العدل امام المحكمة الاتحادية العليا بالطعن بدستورية قانون مجلس الدولة عام 2017م والتي انتهت بالرد بقرار المحكمة الاتحادية العليا بالعدد (85/ت/2017) في 10/10/2017 والذي قضت فيه المحكمة : ( … من الرجوع الى اختصاصات ومهام مجلس الدولة التي نصت عليها المادة (1) من قانونه نجد انه اختص بالقيام بمهام (القضاء الاداري ، الافتاء ، الصياغة) ويقصد بها صياغة مشروعات القوانين والقرارات التشريعية وهذه المهام والاختصاصات تختلف عن مهام واختصاصات مكونات السلطة القضائية المنصوص عليها في الدستور وفي مجموعة قوانين تنظيم القضاء ، لذا فان ربط مجلس الدولة بالسلطة القضائية مسألة لا تمس جوهر الموضوع وانما هي مسألة تنظيمية ليس الا وبالتالي فلا تشكل مخالفة دستورية تبيح الغاء القانون موضوع الطعن ، هذا من جانب ومن جانب اخر فان وصف مجلس الدولة بكونه هيئة مستقلة كما ورد في قانونه فان ذلك نجد سنده في المادة (108) من الدستور التي اجازت استحداث هيئات مستقلة اضافية للهيئات المستقلة المنصوص عليها في المواد (102-107) من الدستور بحسب الحاجة والضرورة ويتم ذلك بقانون وهو ما أجراه مجلس النواب بموجب صلاحياته المنصوص عليها في المادة (61/اولا) من الدستور بإصداره القانون موضوع الطعن (مجلس الدولة ) وعدم ربط هذا المجلس بالسلطة القضائية الاتحادية لاختلاف مهامها واختصاصاتها عن مهامه وعدم ورود ذلك في المادة (98) من الدستور التي عددت مكونات السلطة القضائية الاتحادية وليس من بينها مجلس الدولة ، وكذا عدم الذهاب الى ربطه بالسلطة التنفيذية توخيا لضمان حياده واستقلاليته حينما يتصدى قضاؤه الاداري للقرارات والاوامر التي تصدرها هذه السلطة وبناء على ذلك تكون دعوى المدعي (اضافة لوظيفته) فاقدة لسندها الدستوري والقانوني فقرر الحكم بردها …)  ، هذا من جانب  فالمادة (108) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في الباب الخاص بالهيئات المستقلة نصت على جواز استحداث هيئات مستقلة بواسطة قانون عند الحاجة وقد ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها بالعدد (88/ت/2010) الى  ان الهيئات المستقلة تدخل ضمن السلطة التنفيذية ومرجعيتها تكون الى مجلس الوزراء وهو ما يثير التساؤل هل يعد قانون المجلس تطبيقا لذلك القول ؟

الا مما يجدر الاشارة اليه ان الاستقلالية التي تتمتع بها تلك الهيئات لا يعني انقطاعها عن جميع السلطات نظرا لطبيعة عملها وعلاقته بباقي السلطات ، وهو ما ينطلق على مجلس الدولة وعلاقته بالعمل التنفيذي او القضائي وهو ما تأكد مسبقا بقرار المحكمة الاتحادية العليا بالعدد (88/ت/2010 ) في 18/1/2011 والذي جاء فيه ان ارتباط بعض الهيئات المستقلة ذات الطبيعة التنفيذية في عملها بمجلس النواب أمر لا يتفق مع اختصاص المجلس ويتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ، كما ان ارتباط تلك الهيئات بمجلس النواب لا يحول دون الاشراف على نشاطاتها من قبل مجلس الوزراء تطبيقا لاختصاصاته وفق الدستور باعتبارها جهات غير مرتبطة بوزارة .

الا ان من المآخذ على قانون المجلس كان الاجدر على المشرع العراقي على تحديد كون هيئة قضائية مستقلة كما عمد المشرع المصري في قانون مجلس الدولة المصري رقم (47) لسنة 1972 في المادة الاولى منه والتي تنص على : ( مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة)والذي تأكد مجددا في المادة (190) من دستور جمهورية مصر لسنة 2014 والتي نصت على : ( مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة)وهو ما لا يمس اختصاصاته الاخرى فمجلس الدولة المصري هو الاخر يمارس مهام الفتوى وصياغة مشاريع القوانين وهو ما لا يتفق مع قانون مجلس الدولة الفرنسي الذي مازال مرتبطا بالسلطة التنفيذية اذ ان رئاسة مجلس الدولة الفرنسي ما تزال معهودة لرئيس السلطة التنفيذية ويحل محله عند غيابه وزير العدل ، وبالعودة لموضوعنا الرئيسي نجد ان قانون المجلس قد جاء بصورة غير متناسبة مع اهميته فقد جاء مقتضبا على ارغم من كونه خطوة مهمة في فصل القضاء الاداري عن السلطة التنفيذية ، فغموض الصياغة فتح الباب للتجاذبات بين السلطات والتي تفتح الباب لسجال فقهي حول طبيعة المجلس الامر الذي يقتضي تفصيله دون الاكتفاء بنقل احكام مجلس شورى الدولة رقم (79) لسنة 1979 وتعديلاته الى المجلس الجديد وهو امر يثر الاستغراب الامر الذي يتطلب نت السلطة التشريعية الافادة من التجارب التشريعية في كل من فرنسا ومصر في نطاق القضاء الاداري والاستعانة بما يسهم في تطوير هذا المرفق .

 

 

اترك رد

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى